لست اعرف بعد كيف ستنتهي هذه القصة ، فان ما سأقصه عليك انما حدث صباح امس ، قبل ان اغادر السفينة في السويس .
جلست على كرسي طويل من القماش ، والى جانبي اكداس من الكتب وجفنة حساء فارغة ، انطاول بصري الى الفضاء المكلل بالغمام ، الفضاء الحاوي الذي لم يخفف من وطأته على الصدر سمك بنواب فيسلتي المسافرين . بدا كل شيء دفئاً رطباً بالغ الرطوبة . وكانت حافة السماء تتدلى منها اعلام مهلهلة من السحب ، وقد ذابت فيها حافة البحر . وكان الرجل الجالس بجواري قد بسط على حجره كتاباً مفتوحاً ، والى جانبه أيضاً عدة كتب ، وكان هو الآخر يحملق بنظرة ثابتة الى المنظر المائي الحاوي . كان البحر يثير روحاً من الكآبة والاغتمام ، لا يساعد على احتمالها الا ما تبعثه في النفس من الفتور والكسل ، وانها تولج اليوم في اليوم فتحمل اناساً كثيرين على الاعتقاد بأنهم لا بد انهم قد تمتعوا بالرحلة ما دام الوقت قد مر بهذه السرعة . كان من الواضح ان هذه الروح الكئيبة المغتمة تخيم علي وعلى جاري أيضاً . كان جاري طويل القامة نحيفاً دقيق اليدين ، وكان يبدو على خلقته حساسية بالغة الارهاف ، وساءلت نفسي من تراه يكون ... لم تكن الكتب التي بجواره لتساعدني على اجابة هذا السؤال ، اذ كانت متنوعة : ترجمة لمجموعة شعر إغريقية ، ورواية عصرية ، وكتاب علمي ، ودراسة لسيرة احد السياسيين ، ومجموعة من القصص القصيرة الحديثة . ثم لاحظت معها كتاباً من كتبي ، وهو ذلك المسمى « الرجل الذي فقد نفسه » . وبغتة حول عينيه من الماء وخاطبني قائلاً :
« أتحب البحر ؟ »
فأجبت :
« نعم ، أنا احبه ، نوعاً من الحب ، على الرغم من ملاله ، وما يبعث في لسوء الحظ من الرعب . اني بحار ماهر ، ولكن حين يتمدد الآخرون في فرشهم الخشبية يتمنون لو انهم يغرقون ، أمتد أنا على فراشي الخشبي ، مرتدياً جميع ملابسي ، ابتهل إلى الله ألا أغرق ، وافكر في الخضم الشاسع من المياه الذي يتلاشى فيه رأس الانسان فلا يكاد يكون شيئاً . ذلك هو السبب في اني افضل البحر الابيض المتوسط ، حيث تكون عادة على مرأى من البر ... لكن يبدو انه قد اختفى كلية في هذا اليوم ... بل ليتني ابلغ قناة السويس ، فاني ارتقب ان احظى بعصر ممتع . »
قال : « نعم أنا اعرف هذا الشعور ، فانه يداخلني أنا أيضاً بعض الشيء . واذ انك كاتب ، فسأقص عليك قصة عنه . ولكن ارجو انك لا تؤمن بالطيرة والفأل ؟
ربما هي لا تستحق ان تسمى قصة في واقع الامر . هي شاهد اكثر منها قصة ، أو هي برهان على احدى النظريات ... هذه النظرية ، او المغزى ، هي تلك النظرية القديمة البديهية ، التي شغف احد الروائيين المحدثين بترديدها ، وهي ان ما تشعر به اشد صدقاً ،


