النوع العادي ، وانه ليس من وجود فعلي لتلك النكبة العظيمة والمأساة القديمة التي ترتبط بها والتي هربت منها . فكل فكرة عبرت عنها ، وكل مناسبة أشارت اليها ، كانت كأنها تقرص نفسها لتتأكد من انها صاحية ومن ان الكابوس المخيف قد زال ...
ازداد الطقس اضطرابا ، ولم ارهما بعد ذلك في ذلك اليوم . فقد تضاعفت حدة الزوبعة فلم يعد احد يجد متعة في الرحلة البحرية . بل لم يعد من المستطاع ان ينام المرء ، وان كانت الزوابع في العادة تجعلني استغرق في النوم . فان طرق عينك السبات لحظة واحدة في الليل فلا بد ان يوقظك في الحال صوت الابواب تنفتح وتنصفق وتتصادم ، أو يوقظك احساس عجيب بأن الروح نفسها ، تلك الذات النفسانية التي بني حولها الجسد ، قد تنقلت من مقرها بعض الشيء ... يسائل المسافرون انفسهم ، كعادتهم في خلال رحلة بحرية : « لم قمت بهذه الرحلة ؟ » ولكني لم اشعر الا بشعور واحد ، شعور طالما احسست به في المحيط الاطلنطي ، وان كنت قد قمت فيه برحلات كثيرة لم يكن عنها من محيد ، ذلك الشعور هو الرعب . لم يغلبني دوار البحر ، وانما شعرت بالرعب من تلك الاودية الباردة في اعماق المياه تحت سطح البحر ، تلك الاودية اللانهائية المعرجة التي اخبرنا بأنها في عمقها تماثل جبال البر في علوها ... وبهذه المناسبة (سامحني لقطعي حبل قصتي) ألم يزدد الطقس اضطرابا منذ بدأنا حديثنا ، أم ليس هذا الا وهماً من اوهام مخيلتي ؟ »
فاضطررت الى ان اعترف بأن الطقس قد تغير . فقد بدأت السفينة تترنح بشكل غير منتظر .
« لقد ظننت كذلك » ، قال ذلك وتوقف برهة ، ثم استرسل : « على أية حال ستكون القناة هادئة ... ولكن
لأستمر في قصتي . من حسن الحظ اني كنت سأغادر السفينة في ماديرا ولم يكن دونها الا رحلة يومين . ولكن كم تشوقت اليها في ذينك اليومين ، تلك الدرة البديعة المستقرة في وسط المحيط تحت غطاء سحاب الاطلنطي .
كان اليوم التالي سيئاً للغاية ، بحيث لم يعد المرء يهتم بشيء ما ، لا بالطعام ولا بالشراب ولا بالنوم ولا بالمسافرين : ولكني لاحظت مع ذلك ان المستر روفني جلس الى طعام الغداء وحيداً ... وفي الصباح التالي بدا كأن الزوبعة هدأت قليلاً ، وفي اثناء تجوالي على ظهر السفينة قابلته .
صحت بحماسة كاذبة : « صباح الخير ! كيف انت في هذا الصباح ... يؤسفني ان اراك وحيداً » .
فأجاب : « نعم انه شيء مقلق . كم تمنيت ان يكون الطقس لطيفاً ... فاننا نقترب من ماديرا الان ، وينبغي الا يكون الطقس هكذا ... اني اصارحك بانه يزعجني ... ليس ذلك لان زوجتي غير متعودة على الاسفار البحرية - فانها الان لا تشعر بالدوار - بل الحق هو انها يتملكها الرعب في سفينة ! »
قلت : « ليس هذا شيئاً مخجلاً ، فأنا ايضاً مرعوب ... واعتقد ان كثيرين جداً من الناس هم ايضاً كذلك ، لو انهم اعترفوا بالحقيقة ! »
أجاب : « قد يكون هذا صحيحاً .. ولكن الامر مختلف بالنسبة اليها : فان آخر رحلة بحرية قامت بها كانت في
التيتانيك . وقد غرق اخوها التوأم مع تلك السفينة : ولم تنج هي الا بمعجزة ... ولسنين عديدة رفضت ان تعلو سطح سفينة على الاطلاق ، بل انها ابت ان تقوم برحلة القناة الانكليزية التي لا تستغرق الا ساعة واحدة ، مع انها قبل ذلك كانت مغرمة بباريس ... وسأخبرك شيئاً غريباً ، قد يكون البحر هادئاً بالغ الهدوء ، ولكن ما ان تضع قدمها على سطح السفينة حتى تبدأ الزوبعة ، بداية لا شك فيها . لقد شاهدت ذلك يحدث في القناة الانكليزية عشرات المرات ، حتى اني كثيراً ما تمنيت ان احملها على تغيير عزمها والمجيء معي ، حتى لتلك المسافة القصيرة ... ما كان ينبغي ان احظر ذلك تحظيراً باتاً ، من البداية ... ولكنها كانت قلقة البال علي - فقد كنت مريضاً زمناً طويلاً ، واولئك الاطباء الملاعين قالوا ان رحلة بحرية طويلة هي الشيء الوحيد الذي يرد الي العافية - فأحلت هي واصرت . ولم استطع منعها ، فقد بدا كما لو كان من المحتم ان تجيء ، وان ارتاعت هي من ذلك ، لو كنت تفهم ما اعني ... »
واذن فهذا هو السر ! لا غرابة اذن ان كانت مرتاعة ، حتى على اشد المياه ضحولة . تذكرت تلك السفينة الفاخرة في رحلتها البكر ، وتذكرت اليدين اللاعبتين ، والاصطدام المفاجئ ، الرهيب ، والسكون الشامل ، حين وصلتها رياح التدمير ، ثم تذكرت الاضطراب والفوضى في الماء ، والتلاقي الغريب الصامت في

