اضاميم برية ...
عفو قارئتي ، اذا خدشت اذنها بما انقل اليها من شعر اعتادت ان تسمعه من افواه القرويات والقرويين في ليلة عرس او في مأتم او في يوم حصاد ، ونشأت تراه عامياً مبتذلاً هي احرص على وقتها من ان نضيعه في القراءة عنه ؛ عفوها اذا جئت اقول لها ان في هذا الشعر الحي ومضات من جمال تستحق ان يُعنى بها ، واذا طالبتها ان تترك قليلاً شعر الدواوين وتأتي معي لتسمع شعر قوم لعلهم لا يكتبون ولا يقرأون ، وسترى انها ستلقى بدل العليقة التي احبت ، وروداً وازاهير حقل .
ليس ادبنا الوحيد بين الآداب ، محوي الى جانب ما ينشر فيه من شعر اناشيد شعبية تتناقلها الالسن منذ اجيال ، لا يعرف لها صاحب ، وتتطور من وقت لآخر تبعاً للمنشدين والظروف . فما من ادب خلا من ذلك ، لكن لعل ادبنا الوحيد الذي اشاح بوجهه عنها ، وابى ان يتبناها ، فحرم شعراءنا من الاكتساب بما فيها ، — ترى اما كان خسر الشعر الانكليزي لو لم تدخل اغاني الـ Ballads الشعبية ( وما اناشيدنا الا كهذه ) الى تراثه عصر الرومانتيكيين وما بعده ؟
امامي الآن مجموعة من هذه الاناشيد التي نسمعها ابان سيرنا في هذا الجزء من العالم ، جمعها باحث فنلندي اسمه آبيلي ساريزالو من قريتي البقيعة والبصة على حدود فلسطين واسماها « اغاني الدروز » ، تسمية الكل باسم البعض . وسأتحدث عن وجه واحد من وجوه هذه الاغاني ، قاصراً استشهاداتي على ما جاء في الكتاب ، رغم انه يترك نفراً من القصائد الحلوة دون ان يتعرض لها .
وضعت هذه الاناشيد للغناء والرقص والدبكة وما شابه ، وفي اسمها الانكليزي Ballads ما يدل على ذلك ، اذ مصدر الكلمة يعني : الرقص . لهذا نلمح فيها كثيراً من التكرار في الافكار والمقاطع والابيات والتعابير والالفاظ . ونتيجة لبقائها عصوراً متعددة جرت على اجزائها بعض التغييرات ، فحذفت مقاطع ادت لتشويه سياق الفكرة وادرجت مقاطع جديدة لا تلتئم احياناً والاغنية كوحدة . كما اننا نرى من حين لحين ذكراً لمخترعات حديثة ، احب فنانو القرية ان يدخلوها صلب ما ورثوا من اناشيد ، فجعلوا المحب يرسل سلامه لفتاته بالسيارة لسرعة مسيرها ، ويطلب اليها ان تتصور وتبعث اليه بصورتها ليكنزها فوق عيونه ، ويصف الطيارة ، وغير ذلك .
ورغم ان كثيراً من هذه الاناشيد وضعت لتغنى في الاعراس ، الا اننا نرى الفكرة السائدة هي وصف جفاء الحبيبة ، وهجرانها ، وتعذيبها فؤاد فتاها المولّه ، حتى في اناشيد الاعراس
