أضاميم برية
فوق الوهاد ، كوصف الشاعر لفتاة حبيبته الحلوة بسألها ماء فتشفي غليله بالتفاتة ، ويسألها عن اسمها فتجيب : حب او هوى ، او جمال ، او عجايب . او وصفه لآلام الحب :
« مدّيت يدي على راسي لقيته شاب
ما شيّب راسي الا هجركو يا حباب »
او انصبابه التام على حبه
« والشمس طلعت ، والخلق قشعت ،
واحشائي ولعت ، بهوى جميلة » .
او هذا البيت الحلو
« مين ذاق كاس المحبة ذاق كاس الموت »
او وصف عفة الحبيبة
« ولا حدا نص الليل هز ابوابها » .
او ذكر التناقض ، في انها جعلت
العين تعمى من البكاء على فراقها وبالوقت ذاته جعلت الاعمى يبصر حين تقع عيناه على جمالها ، او التناقض اللبق الذي يسبكه الشاعر في مقطع واحد :
« بغمزة عينها يقعد ميتين
رجعت الى التراب فصرت ميتاً »
او وصفه لطيور الجنة تناغي حبيبته ، او هذه الصورة لمدى تأثير جمالها ، دون ان يذكر شيئاً عن جمالها بل باعطاء اثره :
« يوم انه شافها القاضي
زتّ اللفة وارخى حوش »
او وصف جبينها يطلع والقمر فيحتار الناس من اين كان النور، او دعاءه ان تعود له حبيبته وان تغيب الشمس اذ ذاك اعواماً فلا احلى اليه من الظلام ، او تهكمه ووصفه الحوري « سكر يابس » ، او عنفه واحتقاره لحبيبته ان اتت شائناً :
« يا نخلة من دموعي اديتها
من دمع عيني والجفون سقيتها
لما رأيت الغير قطف عنها ثمر
تركتها للغير انا ورميتها »
هي ومضات جمال في هذه الاناشيد الشعبية الحية ، تشعّ فتكسب الكل نوراً. قد ينقص هذه الاناشيد التفنن والصنعة والتزويق والشكل الخارجي وغير ذلك مما ينقص الفتاة القروية ، لكن هذا لا يعوق ان توجد فيها كما في المدينة ، وكما في الشعر الفصيح ، عناصر الجمال والعاطفة والصدق والاخلاص . انها ازاهير برية ، في الحقول وعلى التلال ، قد نسير مسافات وعرة قبل ان نجد البعض منها ؛ لكن مرأى هذه القليلة يفعم قلبنا بالسرور ، فترانا نهرع اليها لنقدمها الى الحبيب اضاميم.

