اراني اميل الى اعفاء قلمي من تمجيد الكتاب، والتدليل بفوائده، مستجيبة من نفسي امام اولئك المجدينه الاوائل، ومشفقة عليها، ان لا تلحق لهم بغبار في هذا الميدان، واكون عندئذ، كموقد شمعة في سطع الضحى، فلذا اكتفي بالقول ان الامر بديهي عند سامعي، وغير سامعي، والكتاب غني عني بفرضه نفسه على العصر، عصر المعرفة والعلم، فهو الاداة الاولى والمباشرة في اقتناء المعرفة وكسب العلم.
على اني اذا تخلصت تخلص محب السلامة من الكلام عن الكتاب، فلي ما اقوله في ظرفه الذي يعيه، فينام فيه هنيئاً، الى ان تأتيه يد فراسة، بضة او غير بضة، فتوقظه من سباته، لتسخره في خدمة صاحبها.
عرفت المكتبة منذ اقدم عصور التاريخ ومرت بأزمات مختلفة قبل ان قبعت في زاوية من البيت تسكن اليها، دون ان تخاف حرقاً ولا غرقاً.
فقد كان اقتناء الكتب عند الملوك الاقدمين مدعاة للتفاخر والتنافس، اذ كانوا يصرفون في سبيلها الاموال الطائلة، ويضحون بما غلا من اجلها، ويبذلون جهوداً لا تني لاقتناء كتاب يزيدونه على محتويات مكتباتهم. فقد ورد في مقدمة كليلة ودمنة، ان دبشليم الملك فكر، بعد ان استتب له الامر ان يكون في مكتبة ملكه كتاب يؤلف له يزيده على ما تركه كل من اسلافه. واذا قرأنا ايضاً في باب بعثة كسرى الطبيب برزويه الى الهند سعياً وراء كتاب سمع بوجوده في خزانة
المملكة الهندية فرأى ضمه الى خزانته، ما تجشمه برزويه من المشقات وما تعرض له من الاضطرابات والاشفاق على نفسه من ألم الفضيحة، وأي اطلاق يد في المال اطلق له مليكه، عرفنا اية اهمية كان الملوك الاقدمون، وبعض الخاصة، يعلقون على اقتناء الكتب.
وقد اشتهرت في التاريخ مكتبات يذكرها المؤرخون، ويعدونها بفخر اساساً للحضارة الانسانية. ففي الشرق مكتبة الاسكندرية التي وجدها العرب يوم فتحوا مصر، والتي اتهموا باحراقها، على ان بين المدققين من مؤرخيهم وبعض مؤرخي الفرنجة من ينفي هذه التهمة عنهم. ومكتبة برغاما في اسيا الصغرى التي عاصرت الاولى والتي ذهبت بعض كتبها، كمكتبة الاسكندرية على اثر خراب هذه المدينة.
ولم يقصر العرب عمن سبقهم من الشعوب الراقية في هذا المضمار، فقد ورد عن المأمون انه كان يدفع ثمن كل كتاب جديد يضمه الى خزانة الخلافة ما يوازي ثقله ذهباً، واذا ما انتبهنا الى حجم الكتب في تلك الايام وما كانت تزنه، عرفنا أي ثمن كان المؤلفون ينالونه، فكان بامكان الكتاب حقاً، ان يعيشوا ناعمي البال بفضل القلم.
واشهر المكتبات العربية، كما ورد عن القلقشندي، «خزانة الخلفاء العباسيين ببغداد، وكان فيها ما لا يحصى كثرة، وقد ذهبت، واعفى اثرها عندما دهم التتر بغداد»، وقيل ان هؤلاء رموا محتوياتها في دجلة، حتى استحالت المياه الى سائل
اسود بسبب ما ذاب فيها من حبر الكتب. وخزانة الخلفاء الفاطميين في مصر، وكانت أيضاً من اعظم الخزانات واكثرها جمعاً للكتب النفيسة، في العلوم جميعها، ولم تزل على ذلك الى ان انقرضت دولتهم بموت العاضد واستيلاء صلاح الدين الايوبي على المملكة المصرية فاشترى القاضي الفاضل اكثر كتب الخزانة، ووقفها بمدرسة الفاضلية في مصر، فبقيت فيها الى ان استولت عليها الايدي، فلم يبق منها الا القليل.
وخزانة ثالثة، هي خزانة خلفاء بني امية في قرطبة، «وكانت تحتوي على مجموعة نفيسة من الكتب، اندثرت باندثار الدولة، واستيلاء ملوك الطوائف على الاندلس، فذهبت الكتب كل مذهب» ولعل هذه الكتب كانت مفاتيح النهضة الاوروبية في العصور الوسطى.
وبقيت نعمة اقتناء الكتب محصورة في من انعم الله عليهم بالغنى، وبالتالي بامكانية تخصيص وقتهم واموالهم، لنسخها او استنساخها حتى تم اكتشاف المطبعة. فخرجت الكتب عند ذاك من دائرة الملوك والاغنياء الضيقة، ووضعت امام ابناء الشعب، الذين اصبح بامكانهم اقتناؤها كما يشاؤون، فالآلة الحديدية بذلت الكتاب بسخاء وسهلت التمتع بنفعته على الكثيرين.
ونعمت البيوت عندئذ، بغرفة خاصة او على الاقل بزاوية خاصة، انتصبت فيها خزانة، كبيرة أو صغيرة، دعيت بمكتبة البيت.
ومرت برهة، تعودت بها بعض البيوتات، ان في الغرب أو في الشرق، اقتناء الكتب بصورة شكلية، أي للزينة فقط. فكان جامعو الكتب احياناً كثيرة، حتى المثقفون منهم، يعنون بجمعها وتجليدها بشكل يبهج النظر بهاؤه دون ان يعبأوا بما بين دفاتها والانتفاع

