به ، من ذلك ما قرأته في مجلة الهلال مؤخراً عن نجوم السينما انهم « كانوا في الماضي لا يعنون باقتناء الكتب للانتفاع بها ، بل للزينة » اما الان فقد تغيرت الحال واصبحوا يعدون ، « اكثر الناس حباً بالمطالعة » .
ولم يخل مجتمعنا من امثال هؤلاء المتأنقين الهواة ، اذكر ان احدهم ، اراد ان يكرمني بادخالي غرفة المكتبة في بيته . لقد رأيتها حقاً متعة شائقة للعين والقلب معاً بما حوته من النفائس ، ولم يشأ صاحبنا الا ان يناولني ، وهو في حماسة ، كتاباً منها ليريني نوعية الجلد الذي غلف به ، فتناولت الكتاب ، وبعد ان تفحصته كما شاء من الخارج ، خطر لي ان افتحه لأرى ما هو ، وماذا يبحث ، وفجأة سمعت صيحة رعب ، تبينت مصدرها ، فاذا هو صاحب الكتاب يشفق على الكتاب ان افتحه فاذهب بجدته ، وعرفت ، وليس بغير انشداه ، ان هذه الكتب بنظره ليست للاستعمال بل للمنظر .
ومكتبة البيت ، هي مرآة رقي اصحابها . وانتشارها في مجتمع ما ، دليل على ما وصل اليه هذا المجتمع من ثقافة عالية ، وعلم ، فمن الطبيعي ان يسبقنا الغريبون ، فيوجهون عناية فائقة لهذه القطعة من الاثاث ، ويحسبون لها حساباً خاصاً في ميزانية العائلة . ولا بدع في ذلك فالبيت مملكة المرأة ، ومكتبة البيت هي من محتويات المملكة ، والمرأة عندنا كانت حتى نصف جيل خلا ، تسير في ظلام دامس من الجهل والامية ، في عصور الانحطاط الذميمة ، وقد حرمت عليها القراءة والكتابة . واذا حدث ووجد على سبيل النادر من تقرأ كانت مكتبة بيتها لا تتعدى كتب الصلاة والعبادة ، وبعض قصص القديسين والقديسات ، واذا زادت فبعض روايات سهلة مبتذلة .
على اننا اليوم ، وقد اصبحنا في اوج نهضتنا الفكرية ، واصبح الكثير من
نسائنا على جانب لا بأس به من الثقافة والرغبة في التثقف ، فقد بندر ان تدخل بيتاً لا ترى فيه ناحية خصصت للكتب ، وهيئت بطريقة تمكنك من الانفراد فيها بجو من الهدوء يتلاءم وروعة المعرفة وتطلبها .
لا شك ان المكتبة كما قلت ، هي مرآة اصحابها ، أي ان محتوياتها تتوقف على ثقافتهم ونوعيتها وكميتها ، فلا يعقل ، ان نجد في مكتبة بيت متواضع الثقافة ، ما نجده في بيت آخر عرف افراده بعلو القسط منها . على ان هناك نقطة أود ان اجلوها والفت النظر اليها ، وهي ان مكتبة البيت يتحتم ان تفلت من قيود التخصص . فاذا كان رب البيت مثلاً طبيباً او محامياً أو مهندساً فلا يعني ذلك ان مكتبة بيته يجب ألا تضم غير كتب تبحث موضوع اختصاصه ، فلهذه الكتب مكان آخر هو عادة مقر عمل الطبيب أو المحامي أو المهندس . اما مكتبة البيت ، فيجب ان تحتوي على المتنوع من الكتب في شتى المواضيع ، وما اجمل مكتبة المرأة المثقفة يد في انتخاب محتوياتها فكل عضو من اعضاء العائلة يفيد منها ، ولا سيما اولئك الذين يلازمون البيت في غالب الاحيان .
دخلت مرة الى بيت صديقة لي فلفت نظري جمال المكتبة وتنسيق الكتب فيها ، وقد قسمت الى عدد من الرفوف يتلاءم ونوع الكتب حجماً واتساعاً ونضدت المؤلفات التي تبحث الموضوع الواحد دون الالتفات الى لغتها في جانب واحد كي يسهل على المطالع عند حاجته الى بحث ما ، ايجاد الكتاب الذي يوقفه على ما يهمه في اقل وقت وايسر عناء . ولاحظت ان المكتبة خلت من تلك الكتب التي كثيراً ماتكون عند الوالدين ، ولا يحسن بالاولاد ان يقرأوها ، فاذا بالمشاكل تحدث في العائلة بسبب تطلع الاولاد وتشوقهم الى قراءة ما يجب ألا
يقرأوا ، فرأيت في ذلك ذوقاً ومعرفة تامة بنفسية النشء اجمالا ، الذي يجب ان يبقى بعيداً عن بعض المطالعات المفسدة للعقلية النضرة ، اذا ما اطلعت عليها قبل الاوان .
واذا ظن البعض ان الاولاد يجب ان يربوا بطريقة تكفل ان لا يمسوا ما لا يسمح لهم بان يمسوه ، فاقول ان الانسان لم يصل حتى اليوم الى هذه المثالية . والولد بحكم الحشرية فيه محب للاستطلاع ، متطلع دائماً الى ما يمنع عنه ، وكثير الرغبة فيه . ويكفي ان يعرف تحريم والديه عليه كتاباً في المكتبة حتى يصبح هذا الكتاب محط آماله ونقطة ارتكاز تفكيره . فالاصح في مثل هذه الحالة ، حالة وجود الاولاد ، في هذه السن الخطرة ، ان تخلو مكتبة البيت كما خلت مكتبة صديقتي ، من أي كتاب يثير منعه على الاولاد رغبتهم في مطالعته ، فانه اسلم لتربيتهم .
ولاحظت ايضاً ان ربة البيت عنيت بشكل خاص بناحية من مكتبة بيتها ، خصصتها منذ الباكر من طفولة اولادها لهم ، اذ وضعت فيها اخص عنايتها ، وعندما

