يبدأ فيقول :
أنا لا رأي لي في هذه القضية . أو :
ان رأيي قد لا يرضي الناس ....
ومنهم من يتهرب من الجواب ، ومنهم من « ينفرز » فيتشاغل بالتلفون أو بمناداة الحاجب لقضاء احدى الحاجات ، وكلهم يتذكرون انهم لبنانيون فيأمرون بالضيافة .
ويرقّه عن « المندوبة » شعورها امام هذا « البعض » انها امّ امام طفل مذنب ... يا الله ! كيف يصبح هذا الرجل ، المحتكر لكل الحقوق ، يخاف من ابداء رأيه امام المرأة ... اياها ... هذه التي سلبها حقها في لقب المواطنـة .
عند الشاعر الاستاذ صلاح لبابيدي رئيس ديوان وزارة المعارف
يحاول الشاعر الهرب ثم يعود الى لطفه المعروف فيقول :
أرى ان المرأة اللبنانية تبلغ حقوقها عن طريق ثقافتها وعن طريق تأثيرها المباشر على الرجل لانني اعرف كثيرين من الاشقاء والازواج ما يزالون يعارضون بهذا الحق ، فعليها اذاً ان تتابع ثقافتها ، ثانياً ان تربح عطف الرجل على قضيتها .
المندوبة — اتظنون أن الثقافة شرط اساسي للحصول على الحقوق ؟ اذاً لماذا اعطيت هذه الحقوق لغير المثقفين ؟
جواب : لان القانون اعطى هذا الحق لكل الرجال دون تمييز .
سؤال : واذا كان في هذا القانون خطأ ؟
جواب : عليها ان تسعى لاصلاحه .
سؤال : هل تظنون ان فوز المرأة قريب ؟
جواب : اعتقد ان الموعد ما يزال بعيداً لان هنالك امماً اكثر تقدماً من لبنان لم تسمح بعد بالحقوق السياسية .
سؤال : مثلاً ؟؟
وكان قد دخل الديوان موظف له شأنه فشاء الاشتراك بالحديث وقال :
مثلاً ؟ تركيـة .
المندوبة — ليتك تقرني ! تركيا ! ان اول ما عمله ذلك العظيم مصطفى كمال هو اعطاء المرأة حقوقها السياسية ! والدليل ما حصل سنة ١٩٣٥ بعد المؤتمر النسائي الذي عقد في اسطنبول ، يوم رأى الاتحاد النسائي التركي ان مصطفى كمال قد أعطى المرأة التركية ما قصرت عنه حكومات طويلة عريضة فقرر ان يحل نفسه ! لان المرأة التركية ليست بحاجة الى طلب شيء بعد !!
وتذكر المندوبة ان معرفتها بالمتكلم سطحية وحديثة ، فتندم على لفظة « تقرني » فيحمر وجهها خجلاً . والمتكلم يحمر وجهه لجهله ما يجري عند الجيران ... فينسحب بنظام ... ولعل الهجوم المعاكس أثر على الشاعر أو لعله خشي غضب ابنته الآنسة ليلى فقال معدّلاً :
— على كلٍّ ارى ان نبدأ فنعطيها حق التصويت فقط .
المندوبة — على هذا تستطيع « صوت المرأة » ان تحسبكم « نصف نصير » فلامتكم هي ؟؟ !!
الشاعر الاستاذ نقولا بسترس ، مفتش التربية الوطنية في بيروت ، ما يزال رغم كل قصائده في مدح المرأة ، يعتبرها اقل من نصف رجل . يقول :
— لا احبّذ قطعياً ان تأخذ المرأة في لبنان حقوقها .
سؤال : تقولون « في لبنان » كأني بكم تسمحون بهذا الحق في غير لبنان ؟
جواب : نعم .
سؤال : ولماذا هذا التفريق ؟
جواب : لان المرأة في لبنان ما تزال ضعيفة في المعنى الاجتماعي . — لنضع جانباً نخبة ممتازة وهي بالنسبة الى المجموع اقلية ضئيلة — ان المرأة اللبنانية سيدة صالون من الطراز الاول ومقامرة من الطراز الاول ، وهي بصورة عامة ، ضئيلة الثقافة ، ضعيفة الحجة .
سؤال : وكل هذه الجهود في حقول التربية والتعليم والاسعاف العام لا تعدل الميزان في نظركم ؟
جواب : لا . لان الاقلية لا تعني المجموع . لا بد من تعميم الثقافة قبل اعطاء الحقوق السياسية .
سؤال : كلكم تضربون على الوتر نفسه ! الثقافة . والحمالون هل هم متقنون ؟ والمحكومون في سجن الرمل لقد صوتوا قبل صدور الاحكام عليهم .
ويقفز الشاعر من مكانه ، ويقول :
— لنتفاهم ، انا اعطي المرأة حق التصويت فقط لا كل الحقوق السياسية .
المندوبة : لقد تفاهمنا ! انت اذاً نصف نصير ...
وتخرج المندوبة وقد خاب املها عند كبيرين من كبار موظفي وزارة التربية فتقول في سرها : يقيناً ان الشعراء الغزليين شيء وطلاب التقدم البشري شيء آخر .
ونزول املها عند دخولها مكتب الاستاذ واصف البارودي .
