علمتني الاسفار ان الاوطان قتّالة ، وان كل مغترب غريب . غريب ، يعيش على هامش حياة الناس في اوطان الناس . غريب ، بشدّه الى وطنه الاول الف عرق وعرق . غريب ، يلهو حيناً بالعمل وحيناً يجمع المال وحيناً بتربية الابناء ، فما ان ينشأوا ـ وهم ابناء تراب الوطن الجديد ـ حتى تزداد غربته ويشعر اكثر من كل وقت انه غريب .
علمتني الحياة ان كل الفلسفات ، تلك التي تفتش عن خلّاق يغمر الوجود بفيض من البركات ، وعن علاقة الانسان بهذا الخلّاق ثم بهذا الوجود ، وعن السبل الموصلة الى قمة الكمال البشري . علمتني الحياة ان زبدة الفلسفات كلها حصرت في مثل هذه الآيات الكريمة :
« ايها الانسان ، احبب الله بكل فكرك ، واحبب قريبك كنفسك . »
« الخلق كلهم عيال الله ، واحبهم اليه انفعهم لعياله » .
وعلمتني الحياة ان الدين هو خير وازع وخير رادع . فلم اهرب في حياتي الا من الذين هربت من قلوبهم مخافة الله .
علمتني الليالي ان الضرّ ، ذلك الذي تلحقه بالناس السنة الناس لا يقتله الا السكوت ! ولست اعني جمود اللسان بين الفكين ، انما اعنيه هو جمود الفكر عن تذكّر الضرّ . ان اعظم الرجال والنساء هم الذين يمحون من ذاكراتهم كل أثر لعدوان المغتابين ، والمبغضين ، واهل المظنّة ، فليس من لذة تقاس بلذائذ الغفران ، ذلك الحقيقي الكامل . ان فيه الراحة من فورات الغضب ، فالحقد ، فالرغبة في ردّ الاساءة ، وفيه نجوة من بشاعة ترتسم على ابهى الوجوه واكملها تكويناً ، ساعة يروح الفكر يضخّم السيئات وساعة ينفتح الباب لروح الشرّ فتطرد من القلب انوار المحبة ، عند هذا تنقلص عضلات الوجه ، ويشيخ الانف ، ويتغضّن الجبين ، ويخبو النور في العين ، وتهرب من الفم ابتسامة الرضى ، وتنشف امواج الحياة في الشعر . ولو فطن الوجوديون ، الراكضون وراء المتعة في الحياة لعلموا ان لا متعة ولا حياة دون جمال ، ولا جمال دون محبة ، ولا محبة دون غفران ـ لو فطن
هؤلاء المجدّون وراء السعادة لدعوا الناس الى مذهب «الغفرانية».
ان الذين اثّروا عليّ في حياتي هم الذين زرعوا امامي بين الاشواك بذور المحبة . هم الذين قالوا لي ان العتاب ليس دواماً صابوناً للقلوب وان حكيم جيله هو صاحب هذا البيت :
اذا كنت في كل الامور معاتباً
صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه !
علمتني كل يوم من ايام الحياة ان المرأة ـ في كل خلاف عائلي ـ مظلومة ، امّاً ، واختاً ، وزوجة ، وبنتاً ، وانها كزهرية من البلور ان وقعت على الحجر او وقع عليها الحجر فالنتيجة واحدة في كل حال ، وان دور العدل لا تدفع ظلامة عن امرأة وان الشكوى الى الناس والتألّم في النوادي يذهبان بعزة النفس وبالكرامة وبدنّسان القلب ، قدس المقدسات ! وفي يقيني ان البيتين التاليين من الشعر نظما للنساء دون سائر الناس :
لا تشكونّ لعاذل أو عاذر
حاليك في السرّاء والضرّاء
فلرحمة المتفجعين مرارة في
القلب مثل شماتة الاعداء .
يا قارئتي اين كنت ، قرأت منذ ربع قرن وصية تركها للاجيال امام المنشئين عبدالله بن المقفع ضمنها صفات رجل كامل وقال في آخرها : « عليك بهذه الاخلاق ان اطقتها ولن تطبّق ولكن اخذ القليل خير من ترك الجميع » .
منذ ذلك اليوم ، احاول التشبه بعض الشيء بذلك الكامل الذي « لا يتشكى ، ولا يتشهى ، ولا يتبرّم ولا يتضجر ولا يخصّ نفسه دون اخوانه بشيء من حيلته وجهده ومن قوته » .
اعترف ، صادقة ، اني حاولت وما زلت احاول ، وجهدت وما ازال جاهدة لألحق بذلك البطل المنتصر على نفسه ، فلم اوفق بعد كل التوفيق !
