
الادباء هم المصابيح المتوهجة التي تحترق لتضيء السالكين؛ وشأن الادب في المجتمع شأن كبار المصلحين، فهو ينفخ فيه من روحه، ويهيئه لتلقي ارائه واعتناق مبادئه، ويجدد فيه ما فتر من الهمم، ويحيي فيه ما خمد من العزائم، ويعلم الناس الآداب الرفيعة، ويكشف لنا، بحسه المرهف وذكائه الوقاد وقلبه الدفاق، عن عيوب المجتمع الذي يعيش فيه، ويعالج كثيراً من العطل والاوصاب الاجتماعية. فالأدب اذن لا ينحصر في رصف الفاظ منمقة او نظم ابيات متكلفة، وانما الادب الصحيح هو الذي يحقق غاية عالية وهدفاً سامياً.
لننظر الى العالم العربي في حالته الحاضرة، نجده مرتعاً خصباً غرست فيه يد الاجنبي الواناً غريبة من الميول والنزعات، ونثرت فيه بذور الحقد والشقاق، وبثت فيه كثيراً من الافكار الهدامة، فهل يجدر بالادباء ان يبقوا معتصمين بأبراجهم العاجية ناظرين الى ما يحيط بهم نظرة المتفرج المتأمل؟ كلا: فالادباء خلقوا ليخففوا من آلام الانسانية المعذبة، وليهدوا الضالين في مجاهل هذه الحياة الشائكة المسالك الى السبل الآمنة التي تقودهم الى حياة سعيدة هنيئة.
فلا بد للادب اذن من ان ينزل من سمائه ويخوض غمرات هذه الحياة مع الخائضين، وهو بما يجود به فكره من فن رفيع، يحرك العواطف الجامدة،
ويثير المشاعر الراكدة، ويدفع النفوس الى الموافقة عن حقها وشرفها وكرامتها. وهكذا يكون الادب صوت الأمة المسموع وقلبها الخفاق الذي يحس باحساسها، فيفرح لفرحها ويتألم لألمها.
وهذه فلسطين قلب الامة العربية النابض تعاني من الذل ما تعاني، فهل يصح للادباء ان يسكتوا عن اثارة الهمم بشأنها؟ انه لا يستطيع غير الادب بأناشيده الحماسية ان يلهب الشعب حماسة ووطنية، ويبعث في القلوب القوة والامل، ويهيب بالنفوس الى التضافر لانقاذ هذا البلد العربي من مخالب الصهيونية.
فالادب الواعي الفاهم ما في رسالته من عمق واتساع وخطورة ومسؤولية،
يجنّد فكره وقلمه لوطنه، يفضح ما يحاك حوله من مؤامرات ومناورات، ولشعبه يخلص في تصوير الأمة، وللعالم بأسره يناضل من اجل سلم وطيد بعمّه، وحرية تامة تشمله، وحياة سعيدة تورق في ارجائه وتزهر وتثمر.
ومهمة الادب هذه اقدس المهمات في وقت انشطر فيه الادب الى شطرين وانقسم فيه الادباء الى قسمين:
الى ادب بعيد عن الشعب غريب عن الواقع، يلفظ انفاسه الاخيرة في برجه العاجي على وسادة من الوهم وفي فراش بالٍ من الخيال، ورجاله ادباء من اللون الرجعي القديم اعرضت عنهم الجماهير بعد ان اصبحوا مهرّجين على مسرح الادب.
وأدب حي تتفجّر ينابيعه من صميم الشعب وتمشي في عروقه دماء جديدة غنية بالقوة والحرارة. يقف على قدميه كالجبار، في يمينه راية النضال، وعلى جبينه
