كان الاحد ، لم يتقدم الى المقاعد الامامية في الكنيسة ، بل ظل قرب الباب مع الفقراء منكس الرأس حزيناً . وكان الناس ينظرون اليه باشفاق وفضول معاً ، ويحاولون فك الطلسم الذي يعيش فيه فلا يوفقون . فمنذ شهور وشهور انقطع اهالي القرية والجوار عن طحن القمح عنده ، ومع ذلك ما تزال اجنحة طاحونه تدور بلا انقطاع . وكانوا يرونه كل مساء يسوق حماره محملاً اكياساً ضخمة من الطحين فيعترضونه :
- مرحباً يا معلم كورنيل . الشغل ماش دائماً في الطاحون ؟
فيجيب :
- دائماً يا اولادي ، والحمد لله . نشكو كل شيء الا قلة الشغل .
فاذا سألوه من اين يأتيه كل هذا الشغل وضع اصبعه على فمه وقال :
- هست !.. انا اشتغل للتصدير .
ولم يستطع احد ان يأخذ منه اكثر من ذلك . اما الدخول الى طاحونه فلم يكن شيئاً يمكن التفكير فيه . حتى فيفيت نفسها لم يكن لها حق بأن تتخطى العتبة . وكان المار يرى الباب مقفلاً في النهار وفي الليل ، والاجنحة في حركة دائمة ، والحمار العاجز الضامر يقضم العشب في الساحة ، وهراً كبيراً يتمشى في الشباك ويرسل اليك عينيه الحبيتين . كل هذا يبعث جواً من الاسرار يحاول كل واحد ، عبثاً ، ان يبدده وينفذ الى قلب المعلم كورنيل . ولكن الناس كانوا يجمعين على شيء هو ان في الطاحون اكياس
ذهب تفوق ولا ريب ، ما فيه من اكياس القمح .
★
على ان الامر لم يلبث مع الزمن ان انكشف . فذات يوم كان في القرية عرس فذهبنا جميعاً للتهنئة ولشرب الحر والرقص . واذا بي الحظ ان ابني البكر يدور حول فيفيت دورات لم يفتني معناها . لقد احبها واحبته . اما انا فلم يسؤني ذلك ، فان المعلم كورنيل ، بالرغم من كل شيء ، من اشرف الناس . ثم اني تخيلت هذه العصفورة الصغيرة فيفيت تقفز وتزقزق في البيت فقلت في نفسي فليكن هذا البيت بيتي ، وخشيت ان طال الامر بينهما ان يؤدي الى ما ينبغي ان يحسب حسابه في اوانه لئلا اندم فيكون الندم حين لا ينفع ، فحملت نفسي من الغد الباكر الى الطاحون
لافاتح المعلم كورنيل في الموضوع ... فهل تعرف يا سيدي كيف استقبلني ؟ عبثاً طلبت منه ان يفتح لي الباب . فاضطررت ان اضع فمي في شقه واعرض له سبب مجيئي ، والهر الملعون لا ينفك اثناء ذلك ينفخ فوق رأسي كالشيطان . فلم يدعني اكمل ، وافهمني اني اذا كنت مستعجلاً في تزويج ابني فما علي الا ان اذهب الى طاحون البخار حيث البنات كثار ! ولك ان تتصور كيف صعد الدم الى رأسي من هذه الكلمات القبيحة . ولكنني تمالكت نفسي فتركت هذا الشيخ الخرف حيث هو وعدت اخبر الصبي والصبية بنتيجة مسعاي .
لم يصدق الخلان الوديعان ان بالامكان الوقوف دون حبهما ، فطلبا مني ان اسمح لهما بالذهاب معاً الى الطاحون وقالا انهما يتكفلان باقناع صاحبه . فقلت : شأنكما .

