وشاءت الأقدار أن يكون المعلم كورنيل قد خرج قبل وصولهما بدقائق معدودة . ولكنه كان قد ترك السلم خارجاً ، فخطر حالاً لهما أن يدخلا من الشباك ويريا أي شيء يمكن أن يكون في هذا الطاحون الغريب ؟
يا للعجب ! الطاحون فارغ . لا كيس ولا حبة قمح ولا أي غبار للطحين على الحيطان . حتى تلك الرائحة الطيبة الدافئة التي تنبعث من القمح المطحون وتملأ الخياشم لم يكن لها أثر . وفي الزاوية سرير من خشب محطم ، وعلى الشباك كسر من الخبز اليابس ، ثم في زاوية أخرى أربعة أو خمسة أكياس مثقوبة يندلق منها رمل أبيض .
هذا ، هذا هو سر المعلم كورنيل . وهذه هي الأكياس التي كان يضعها على ظهر حماره ، ويدور بها في طرق القرية كل مساء إنقاذاً لشرف طاحونه وإيهاماً للناس بأن الشغل فيه ماشٍ . مسكين الطاحون ومسكين المعلم كورنيل ، لقد سلبها طاحون البخار وأصحابه زبائنها منذ زمان ، فالرحى تدور وتدور ولكن على الفراغ .
وعاد الصبي والصبية فأخبراني باكيين بما رأيا . فكاد قلبي يتقطع . ولم أضع دقيقة ، وقمت من وقتي إلى الجيران وأفهمتهم الأمر بكلمتين ، واتفقنا أن نحمل إلى طاحون المعلم كورنيل في الساعة نفسها كل ما في بيوتنا من قمح . وانتشر الخبر في القرية ، وما هي إلا أن زحفت كلها بموكب طويل من الحمير محملة قمحاً ولكنه قمح حقيقي هذا .
كان الباب مفتوحاً على مصراعيه ،
والمعلم كورنيل جالساً على حجر ورأسه في يديه يبكي قهراً . فقد أدرك أن خبيثاً انتهز فرصة غيابه ونسيانه السلم خارجاً فدخل إلى الطاحون وفضح سره . وكان يهتف ويندب حظه قائلاً :
- يا ذلي لم يبق لي إلا الموت بعد الذي حصل بطاحوني !
وكان ينادي الطاحون بأسماء حبيبة كأنه يخاطب شخصاً حقيقياً .
في تلك اللحظة وصلت الحمير إلى الساحة وجعلنا نهتف كعهدنا في عز طواحين الهواء ، وننزل الأحمال ، والمعلم كورنيل يفتح عينيه ويتناول ويجمع بكفه اليابسة المعروقة حفنة من هنا وحفنة من هنا ، يريد أن يضحك فيبكي ويقول :
- قمح ، قمح ، والله العظيم قمح . دعوني أتأمل فيه !
ثم أدار وجهه إلينا وقال :
- لقد كنت أعلم أنكم سترجعون إليّ . إن جماعة العاصمة كلهم لصوص .
★
ومنذ ذلك اليوم لم ندع المعلم كورنيل بلا شغل . ثم كان بعد ذلك بعام وبعض عام أن مات الشيخ ، فوقفت أجنحة طواحيننا إلى الأبد هذه المرة . ماذا تريد ؟ وينبغي أن نعرف يا سيدي ، بأن لكل شيء نهاية ، وأن تسلّم بأن عهد طواحين الهواء قد راح إلى غير عودة ، مع كل الأشياء الجميلة التي كانت في القديم وراحت .

