بينما كنا نسمر في احدى ليالي رمضان ونتحدث عن الايام الخوالي حين كان الحجاب منتشراً بين مختلف الطبقات والطوائف ، وعن التطور الذي طرأ على حياتنا نحن الشرقيين ، ابتسمت جدتي العزيزة وشرعت تهز برأسها مطرقة الى الارض وكأنها تذكرت نادرة من نوادرها الجميلة التي تعودت ان تطرفنا بها من حين الى آخر . سألناها عن سبب ابتسامها ومبعث تفكيرها فأشعلت لفافة وقالت :
- « ذكرت حادثة غريبة وقعت في مدينة حماه إبان الحكم العثماني في البلاد ، يوم كان اسماعيل افندي متصرفاً في هذه المدينة . وقد جرت وقائع الحادثة اثناء وجودي ايضاً في حماه ، إذ كان جدكم ، رحمه الله ، موظفاً فيها . والآن جالت بذاكرتي هذه القصة لانها تتعلق مباشرة بالحجاب ، وانتم تعلمون ان الانسان تواق لمعرفة المجهول من الامور والاشياء ؛ والرجل يبذل اقصى جهده ويعرض نفسه احياناً للكثير من المخاطر والمشاكل في سبيل ذلك ، خاصة اذا كانت « المرأة » محور ذلك المجهول !.. وأنا اعتقد ان شوق الرجال لمعرفة النساء واهتمامهم بأمرهن وتعقب آثارهن كان كبيراً ومحاطاً بهالة من السحر الحرام يوم كن متحجبات ، خلافاً لما نحن عليه اليوم وقد اصبحت النساء عرضة لأعين الناظرين ! ولقد صدق المثل السائر : « وكل ممنوع
مرغوب فيه . »
أما اسماعيل افندي المتصرف فقد عُرف وقتئذ بشغفه الشديد بالجمال والموسيقى وكل شيء ممتع في الحياة ، الى جانب نشاطه الكبير وحيويته الوثابة . ويقول من عاشره في تركيا قبيل زواجه انه كان من الشباب المتهتكين ، غير انه حظي بشريكة لحياته على جانب كبير من الحسن والرقة . ولما اتى ليشغل منصب المتصرفية في حماه صحبها معه وكان أباً لولدين . وهنالك اتيحت لي فرصة التعرف بها وتبادلت معها الزيارات وقتاً طويلاً ، وقد اشتهرت هي ايضاً بحبها لكل فاتن جميل . وفي ذات صباح فوجئت بسماع خبر كدت لا اصدقه لولا وجود جدكم في دار المتصرف ساعة حصوله ! »
وهنا سألنا جميعنا بصوت واحد :
- « وماذا حصل يا ترى ؟ »
فاجابت جدتنا الحبيبة مبتسمة مهددة :
- « ستقفون على ما حصل في نهاية القصة ، فاستمعوا اليها بأناة دون ان تقاطعوني ، والا امسكت عن الكلام ! »
واستطردت تقول :
- « يجب ان تعلموا ان حوادث هذه القصة جرت قبل خمسين عاماً ، يوم كانت الدور خالية من كماليات البناء الحديث ، أي يوم كانت الحمامات في
الاسواق للناس عامة . ذهبت عفة هانم حرم المتصرف ذات مساء للاستحمام مع جاريتها . وحان وقت العشاء ولكنها لم تعد الى الدار ، فاضطرب اسماعيل افندي وارسل من يسأل عن سبب تأخرها . وبعد قليل عاد الرسول يقول ان « الهانم افندي » لم تنته بعد من الاستحمام وانها ستعود بعد نصف ساعة .
دهش اسماعيل افندي من هذا الاعتذار . ولما دخلت زوجته تعلو وجهها حمرة تركتها فيه حرارة الحمام سألها مستغرباً :
- « جعله الله نعمًا يا أم انيس ! ولكن أخبريني ، متى كنت تقضين خمس ساعات في الاستحمام ؟ »
فأجابته عفة هانم :
- « سأقص عليك حكايتي ، فامهلني قليلاً . »
وجلس الزوجان وكل منهما يحاول كتمان ما في نفسه ، اسماعيل افندي يحاول كتمان غيظه وعفة هانم تحاول كتمان غبطتها ! وفجأة راحت تقول :
- « لقد اجتمعت يا ابا انيس بحورية من حواري الجنة قبل دخولي مقصورة الاستحمام ، بسيدة لم تقع عيني على اجمل منها قط ، فانساني الاجتماع بها والاصغاء لعذب حديثها مرور الساعات . رأيتها حينما جلست لارتاح في فسحة الحمام

