الخارجية امام بركة الماء ، وكانت تضع مناشفها وثيابها في مكان قريب مني . ان لها يا أبا أنيس جاذبية لا يستطيع انسان ان يقاومها ، حتى أنا ، أنا المرأة : رأيتني ابدأها السلام فتجيبني بصوت فيه ايقاع عجيب ؛ وما ان التفتت نحوي حتى فهمت بأن الله قادر على ان يجمع الجمال كله في امرأة واحدة . وجلسنا نتحدث ، فعلمت انها ابنة الامباشي كامل سعيد ، تزوجت منذ سنين من ابن عم لها ورزقت طفلتين ، ولكن الدهر القاسي نالها بسهامه وهي في عنفوان الشباب ، فقد سلبها منذ عام معيلها وأبا طفلتيها . فعادت المسكينة الى دار أبيها لتقاسي مرارة العيش الضيق وتقاسم والديها واخوتها شظفه . لقد رثيت لحالها وشاركتها في البكاء لانها وقعت من نفسي موقع الاخت العزيزة أو الابنة الغالية أو قل ما شئت ... أواه ! يا أبا أنيس من شراسة الايام !! تمنيت ان اصحبها الى دارنا للترفيه عنها والتمتع بوجهها الصبوح وجمالها الملائكي ، ولكنها عفيفة النفس الى ابعد حدود العفة . وكأني لاحظت انها خجلت وارتبكت حينما علمت اني امرأة المتصرف ، لفقر حالها ورثاثة ثيابها . اني متأكدة يا عزيزي انك لو رأيتها وشاهدتها وهي تبكي وتبتسم في آن واحد لنسيت نفسك ومرور الساعات ! اني لم ار قبل الآن انساناً يزيد البكاء جماله مثلها ! وبقينا في سمر متواصل الى ان نبهنا أذان المغرب عن استغراقنا في الحديث ، فدعوتها للاستحمام في مقصورتي الخاصة . ولما انتهينا ، لم يمنعني سؤلك عن سبب تأخري من مرافقتها في عربتي الى دار أبيها الكائنة في « جادة العاصي » ، لاني اشفقت على زهرة نضرة ان تسير في الليل منفردة . وهكذا أوصلتها ، وجئت وبي شبه ثمل من تأثير هذا الاجتماع . »
سردت عفة هانم قصتها على زوجها
بحرارة واندفاع ، ولم تخف ابداً عنه انها اغرمت بهذه السيدة غراماً بالغاً ارتجت له أوتار قلبها ...
اصغى اسماعيل افندي الى حديث زوجته الساذجة بكثير من الانتباه . وبعد ان انتهت سألها باشاً مازحاً :
- « وما اسم صديقتك الجديدة يا ترى ؟ وما عمرها وهل هي شقراء أم سمراء ؟ »
فأجابت المسكينة فوراً وقد علت اساريرها امارات الارتياح لاهتمامه بأمر من أحبت :
- « اسمها ثروة يا عزيزي . وعمرها يتراوح بين الرابعة والعشرين والسادسة والعشرين على ما رأيت . وهي شقراء تملأ القلب بهجة ، لها عينان خضراوان تظللهما أهداب كستنائية طويلة ، أما شعرها المسترسل الطويل وقامتها الرشيقة فما استطيع لهما وصفاً ، انها آية ! آية الدل والحفر والجمال . »
وهنا أطرق اسماعيل افندي قليلا ثم قال :
- « لا بأس ، والحالة هذه ، من ان تدعيها ووالدتها لزيارتك وان تساعديهما مادياً ومعنوياً اذا امكن . والآن هلمي نتناول طعام العشاء وانصحك ان تنامي فوراً بعده لانك متعبة جسماً وفكراً . »
وهكذا فعلت أم أنيس ، فقد استسلمت للكرى بعد العشاء املاً في ان يدغدغها حلم جميل . أما اسماعيل افندي فقد استقبل رواد منزله لقضاء السهرة معهم كالمعتاد . »
كان لا بد لجدتي من اشعال لفافة ثانية ، فحاكيناها في ذلك ونحن في شوق كبير للوقوف على نتيجة القصة . ثم
استطردت تقول بلهجتها الطلية الاخاذة :
- « وفي حوالي الحادية عشرة ليلاً حسب توقيت أيامكم ، ارسل اسماعيل افندي خادمه الى دار الامباشي كامل سعيد يدعوه للحضور حالا . وما لبث الامباشي ان وصل يلهث ، فابتدره اسماعيل افندي بلهجة مطمئنة وقال :
- « آسف لازعاجك في مثل هذه الساعة ، ولكني احببت ان اكافئك على حسن سيرتك وأمانة خدمتك بأن ارفعك الى رتبة ملازم منذ الآن . »
فخر الامباشي القديم على قدمي المتصرف حامداً ، وقد تلعثم لسانه بآيات الشكر . فأنهضه المتصرف برفق ، ولما جلس وشرب القهوة عاد اليه سائلاً :
- « والآن يا حضرة الملازم ، لي عندك طلب بسيط . سمعت ان لك بنتاً شابة فقدت زوجها منذ عام ، فهل تقبل بي صهراً لك ؟ »
تلت المفاجأة الاولى مفاجأة ثانية أشدّ وقعاً ، فاحتار ابو الفتاة في امره واصبح لا يدري ان كان في حلم أم في يقظة . غير ان ذلك لم يمنعه من ان يقول :

