إلى مرآتها بينما تنتظر الماشطة التي تسرّح شعرها وتخضب أظافرها؟
أم تريدها على مثال جواري الرشيد والمأمون، آلة لهو ومتعة، تعيش في جو من الدسائس والفتن، تتقن فن التبرج وأساليب الدلال وتحسن تحريك أعضائها بالرقص المخنث والغناء العليل، إرضاءً لمولاها وتلاعباً بعواطفه؟
أما أنا فأرى الإلهام كله في الممرضة التي تحسن القيام بواجبها عند سرير المريض. وفي الأم التي تعطي من نفسها لتربية أطفالها. وفي المعلمة التي تبذل من راحتها لإبهاج الأولاد وإسعادهم.
ولا أعجب بابتسامة «الجوكوندا» بقدر إعجابي «بالمرأة الذابلة» التي ألهمت رودين «وبالمعفرات في الحقل» اللواتي ألهمن ميله.
أنت ترى الجمال في الأنثى الفتية الناعمة الخرود التي أنشدها شعراء العرب ووصفوها على طريقة واحدة، من امرئ القيس وعمر إلى صاحب القصيدة اليتيمة. وأنا أراه في كل ما حولي. في
القبح كما في الجمال. وقد يكون القبح أشد الهاماً من الجمال. ألا ترى كبار الروائيين قد استلهموا أروع قصصهم من وجوه المجرمين الكالحة ومن بيوت الفقر والشقاء ومناظر البؤس والتشرد وفواجع الظلم والجهل والرعونة والخيانة والاستبداد؟
ولكن أين العين التي ترى من التي لا ترى؟
ليست المرأة الجميلة وحدها مصدر فتنة - بل إني أنكر عليها الفتنة إذا اقترنت بالجهل والتفاهة. لكن كل امرأة مصدر فتنة والهام إذا قامت بعمل مفيد أو نبيل، وأحسنت تمثيل دورها كإنسان على مسرح الوجود. بل إن كل ما حولنا من عجائب الطبيعة ومهازل الحياة ومآسيها مثير للفكر محرّك للخيال.
وإن الفنان الذي يستمد كل الهامه من وجه حسناء إما مقلد مسكين أو فقير الموهبة محدود الوسائل.
كذلك الرجل الذي لا يرى في المرأة سوى لين المعاطف وإشراق النهود هو إنسان قصير النظر محدود الشخصية.

