
الحياة . اصبحت افهم انها ليست لهواً ، ومرحاً ، كما ظننتها بالامس ، ولكنها اتعاب . اليوم ظهرت لي الغازها الصعبة الحل ، فافتقدتك لتعاونني على حلها فلم اجدك . رأيتك قاسية فخفت مصارحتك ، رأيتك ممتنعة فخفت مطالبتك ، رأيتك تجملين الحقيقة فخفت اظهارها لك .
امي ، اليوم فهمت ان الحياة سعادة وشقاء ، فجئت لأبوح بسعادتي فلم اجد احداً . جئت لألقي متاعبي على عاتق آخر ، فلم اجد معنا . فاصبحت كالضائعة ، امشي على غير هدى في طرق اجهل منعرجاتها ، ومآزقها ، وسهولها . فالى متى ابقى هكذا ؟
فيا ايتها الأم الحنون ، لا تمنعي عني السعادة التي بوسعك ان تمنحيني اياها لو اسلمتني جوهرة كنت قد فقدتها من زمن بعيد ، وهي حرية المصارحة .
ولدت في بحمدون وفيها ترعرعت . وتاقت نفسي مراراً لان أؤم بيروت ، كي أرى القاطرة الكهربائية . وكم من مرة حلمت بتلك الآلة العجيبة التي تنقل الركاب من طرف في المدينة الى آخر ، وتمر وسط الشوارع الفسيحة وبين البيوت الجميلة والمخازن الملبثة .
الحمد لله ! حل اليوم الذي نزلت فيه الى المدينة الساحرة ! وكان اول ما فعلته اني انتظرت القاطرة ، التي جاءت تعج بالركاب . وهممت بالصعود ، لكن كيف سأتمكن من الدخول وكل عضو في يرتجف خوفاً وفرحاً ؟ ! وفي لحظة رأيت الآلة قد تحركت ، وتركتني في الوراء ! ..
صرخت من شدة الاسف ، وكادت الدموع تترقرق في مقلتي . وشعرت بيد
والدي على كتفي ، وسمعته يقول : لا تجزعي ، فالترام التالي مقبل . ودخلت وأبي تلك الناقلة العجيبة ، وكلي اغتباط ، أمنّي النفس بنزهة رائعة ...
يا ضياع الامل ! فقد كانت «البهجة» الاولى دفشة من عتال يحمل سلة كبيرة ، تبعتها صرخة : «شو ما بتشوفي قدامك ! ..» والتفت اليه لأرد عليه ، عندما مرّت سيدة أنيقة ، لعلها احبّت ان تستلفت انتباهي لحذائها الجديد فداست به على قدمي ... وجاء بعدها بائع الجرائد ، ثم بائع العلك ؛ وشعرت بانفاسي تضيق ، وأردت ان اصرخ ، لكن لم يسعني الوقت ، لاني سمعت صراخاً وضرباً : البوليس ،
البوليس ! ذلك ان راكباً لم يدفع الخمسة قروش ، لان الشركة اجنبية «وما راح تفقر من خمسة قروش» ، «فعلقت» بينه وبين الجابي ! ..
كنت اتلهف الى اللحظة التي اصعد فيها الترام ، فصرت وانا فيه انتظر لحظة النزول . وما عتمت القاطرة ان وصلت المحطة التي علينا ان ننزل فيها ، فتركتها مغتبطة ؛ والتفت الى الترام فاذا عليه : «النزول من الامام ، والصعود من الوراء» - فاتهم ان يزيدوا : «والقفز من النوافذ» ! ...
