أشرقت الشمس في صباح ذات يوم من ايام الربيع على حافة الصحراء ، فغمرت الوهاد السندسية بأشعتها الذهبية ، وانعشت حرارتها ملايين الازهار الصغيرة المتلألئة كأنها النجوم بين الاحجار . وهناك جلس صبي من رعاة الغنم البدو يعزف لحناً شجياً على مزماره ، وواصلت الماعز السوداء قضمها للحشائش الخضراء بارتياح ظاهر .
والواقع ان الكل كان ينعم بالرغد والسعادة في تلك البقعة المنيشة الا اثنين ، وهما السيد رحمة والسيد غراب ، وكانا عدوين لدودين يضمر كل منهما الحقد والكراهية للآخر . وكان السيد رحمة جائعاً على اعلى صخرة يرمق خصمه السيد غراب الرابض على فرع شجرة بنظرات ملؤها الريبة .
وكان السيد رحمة من الطيور الجميلة في ذلك الحين ، يكسو رأسه وعنقه ريش أبيض لامع . فأخذ الغلام البدوي راعي الغنم يتطلع اليه وقد تمنى لو كانت لديه

بندقية صيد . وكان يعرف السيد رحمة حق المعرفة ويلم بعاداته . واخيراً جالت بخاطر الغلام فكرة للقضاء على السيد رحمة .
ورمش السيد غراب من مقره بأعلى الشجرة بعينيه ، وفغر منقاره متثائباً ، فتحسس الغلام بأصابعه قطع الحجر الموجودة في جيبه وأخرج مقلاعه ، وكان يمقت السيد غراب هو ايضاً . وانتظر هنيهة ثم صوب اليه مقلاعه ، فنفذت منه قطع الحجر كالسهم المارق واصابت السيد غراب فهوى لفوره على الارض جثة هامدة .
وشاهد السيد رحمة كل هذا فضحك مسروراً ولم يكن لحم
السيد غراب العجوز يكفي لغذائه ، ولكن السيد رحمة كان جائعاً ، فقرر الانتظار الى ان يذهب الغلام البدوي الى قطيعه فيقضي على فريسته .
بيد ان الغلام لم يتحرك من مكانه اذ لم يكن هذا في حسبانه ، لأنه كان فتى ذكي الفؤاد ، وكان يعد شركاً للسيد رحمة يقوم فيه السيد غراب مقام الطعم في نهاية خيط طويل لاقتناصه من رقبته .
واخيراً سار الغلام البدوي بقطيع الماعز وتوارى خلف الصخور تاركا وراءه السيد غراب منطرحاً على الارض وقد فغر فاه وارتفعت مخالبه الى اعلى ، فبسط السيد رحمة جناحيه العريضين وهبط من مربضه واخذ يحملق في فريسته ، ثم تقدم اليها خطوة ثم خطوتين ، واخيراً فعل ما كان الغلام البدوي الذكي يتوقعه ، فقد انقض على جثة السيد غراب وسرعان ما دخل رأسه في الفخ .
وشعر الغلام البدوي الذي توارى خلف الصخور باهتزاز الخيط ، فأخذ يجذبه بكل ما لديه من قوة ، وكان قد ربط طرفه الآخر حول حجر ثقيل .
وقام السيد رحمة وأخذ يصرخ ويضرب الهواء بجناحيه محاولا الهرب ، ولكنه كلما حاول ذلك اشتد الخيط ، واخيراً خارت قواه فارتمى على الارض وهو يلهث من الاعياء .
ونظر اليه الغلام البدوي وقال « هذا كفيل باتقاء شرك » . ومن ثم سار في سبيله . ولكنه كان مخطئاً . اذ لم يجن الليل حتى جاء ابن آوى صديق السيد رحمة الكريه وقرض الخيط فاطلق سراحه . على ان السيد رحمة كان قد ناضل وقاوم مدة طويلة للتخلص من اسره حتى محى كل ريش في عنقه ورأسه . ولم ينم هذا الريش فيما بعد .
