ورثت الانسة هيفاء عن والديها قصراً شرقياً جميلاً تحيط به الحمائل اليانعة والمزارع الواسعة ، ويقع على منحدر يطل على سهل البقاع . اما هيفاء سيدة القصر فقد انكمشت على نفسها وعاشت في عزلة عن الناس وندر ان شوهدت تترك ابهاء القصر أو تذهب في زيارة احد الاصدقاء . واستغرب سكان تلك الناحية انكماش هذه السيدة وكانوا يتساءلون عن السبب الذي حملها على ايصاد ابواب قصرها في وجوههم ، ويرددون السؤال : لماذا اغلقت سيدة القصر قلبها في وجه اخوان لها تربطهم واياها روابط الجنس والدين واللغة ؟ !
وعاشت الانسة هيفاء فريسة الالم والحزن . فقد مات والداها قبل خمسة عشر عاماً تاركينها وحيدة في هذه الدنيا . وزاد في تبرمها من الحياة انها لم تتوفق في الزواج من مدير مصرف كان قد خطب ودها اذ تركها وتزوج من احدى رفيقاتها . فهذان الحدثان البارزان حملاها على انتهاج هذه الخطة الانعزالية .
وشاءت الظروف ان تمر زمرة من الفتيان والفتيات يقرب عددهم من العشرين بالقرب من ذلك القصر . وكانوا يركبون عربة تجرها الخيول وقد قصدوا تلك الناحية للتفرج على المناظر الطبيعية وترويح النفس من عناء الاعمال اليومية . وسرعان ما جذبهم منظر ذلك القصر الجميل والرياض النضرة المحيطة به .
فاقتربوا من القصر واخذوا يستمرون فتنة الطبيعة وجمالها الاخاذ في تلك البقعة الجميلة . وفيما هم في رحلتهم الممتعة يسرون ويفرحون ، اذا سيارة شحن كبيرة يسوقها رجل متهور تصدم عربتهم ، فتحطم اجزاءها وتصيب ركابها بجروح خطيرة . وسرعان ما لاذ السائق بالفرار تاركاً ضحاياه على قارعة الطريق . اما الحصانان اللذان كانا يجران العربة فقلتا وسارا في طريقها يطلبان الاصطبل في حين ان الفتيان والفتيات انتثروا على الارض ينزفون الدماء ويشكون من جراحاتهم .
وبان القصر على مقربة منهم ، بيد ان ابوابه كانت موصدة . وحدث ان وصل الحصانان الحان الذي اخذا منه ، فادرك صاحب الحان من علامات الجراح والاعياء ان حادثاً اصاب العربة . فهب من فوره يجمع اعوانه ويستدعي طبيب الناحية لاسعاف الجرحى . واقتفت هذه الجماعة اثر الحصانين الشاردين الى ان انتهى المطاف الى مكان الحادث . وللحال شمّر الطبيب عن ساعده وبدأ يقوم بعمله الانساني بغيرة فائقة . وتراءت له ضرورة نقل الكثيرين الى المستشفى ، لكن اين له ذلك والشقة بعيدة والسيارات مفقودة ؟
وفتقت الفكرة للطبيب ان يطرق ابواب القصر طالباً المساعدة من سكانه . وكان حديث العهد في تلك الناحية فلم يكن يعرف عن سياسة اهل القصر شيئاً .
وقرع الباب ، فاطلت عليه احدى الوصيفات . فقال لها : « ان حادث اصطدام حصل بالقرب من قصركم ، وها نحن سنجلب المصابين لاسعافهم في غرفكم » ولم تدر الوصيفة ماذا تجيب ، لكن الطبيب لم يمهلها بل قال : « انكم لا تريدون ان يموت هؤلاء الجرحى ، فانا في حاجة الى ماء وصابون واغطية ولفائف . فهذه حالة طارئة خطيرة والامر مستعجل ولا مجال للتفكر والتردد » .
وسمع صوت سيدة القصر من الداخل تقول : « ان كانت الحالة خطيرة فاننا لا نستطيع ايصاد ابوابنا في وجه طالبي المساعدة . فليدخل الطبيب مريضه . » اما الطبيب فقال : « لدي أكثر من مريض واحد ، وسوف نضطر ان نحوّل هذا القصر الى مستشفى » . وادخل الطبيب جرحاه الى غرف القصر واخذ بخيط الجروح ويضمدها . ثم هرع الى الهاتف يطلب من المستشفى بعض الادوات الضرورية . واستخدم جميع ما لديه من وسائل جاعلاً كل شخص حوله يقوم بنصيبه من الاسعاف . وحانت منه التفاتة الى سيدة القصر فرآها ذاهلة لا تعمل شيئاً . فقال لها : « تقدمي بالماء الساخن واغسلي وجوه الجرحى » . فهمست في اذنه احدى الوصيفات ان التي تخاطبها هي سيدة القصر ! فقال : « اليس لتلك السيدة يدان ؟! ونحن بحاجة الى جميع الايدي . » وكانت سيدة القصر تسترق النظرات الى الطبيب وقد اعجبها حماسه واندفاعه في العمل . ولم تستطع امام غيرته والحاجة الا ان تلبي الواجب الانساني وتعمل ما يريده الطبيب . وكانت هذه بادرة طيبة اذ فتحت ابواب قلبها المغلق فانفتحت بذلك ابواب القصر الموصدة ، وسرعان ما تحول ذلك القصر المنعزل الى مركز للعمل الانساني المجيد .
واخذت سيدة القصر تتجول بين

