الشيء وسيده في الحياة
(بقية المنشور على الصفحة ١٧)
اذا حدثت بين زوجين لا نسبة بينهما في المدارك والخلق والثروة والجاه.
لذلك كان من اهم ما يجب على الشاب الالتفات اليه اذا اقدم على الزواج واراد ان يكون سعيداً، في مثل هذا المجتمع القائم على الفروق والمراتب الاجتماعية، ان ينتقي الفتاة التي تلتئم مرتبتها مع مرتبته وخلقها مع خلقه وميولها مع ميوله. وحينئذ يأمن غائلة الاسترسال في شهواته ويضمن مستقبلاً عائلياً محفوفاً بالهناء والبركة والسعادة.
وما يقال عن الشاب في انتقاء الزوجة يقال عن الفتاة في انتقاء رفيقها. وقد يكون موقف الفتاة تجاه هذا الامر احرج من موقف الشاب لاسباب لا مجال لذكرها. ولكن ينبغي في ظروف كثيرة ان يترك للفتاة الخيار في تقرير مصيرها، فلا تجبر على الزواج من رجل تنفر منه لان مصلحة والديها تقضي بمثل هذا الزواج. ثم اذا جاز لنا ان نسدي نصيحة في هذا الشأن فانها هي محاذرة الشاب الذي يتعاطى السكر والميسر وهما آفتان ما تسربتا الى بيت الا دمرتاه تدميراً.
بقي امر السن وهو من اشد الامور خطورة في مصير السعادة العائلية. وخير ما يقال في هذا الصدد ان يحاذر الآباء تزويج بناتهم من رجال يفوقونهن كثيراً في العمر لما يترتب على هذا التفاوت من الاضرار من وجوه كثيرة.
الاسباب المؤخرة للزواج
يحاول علماء الاجتماع ان يحللوا جميع المسائل العمرانية على اسس اقتصادية وان يعالجوها من هذه الناحية. وعلى هذا يمكن ان يقال ان السبب الاول الذي يؤخر الزواج هو اقتصادي محض. والحقيقة ان عدداً كبيراً من شباننا، وجلهم من المستخدمين والموظفين، لا يملكون المال الكافي لادارة البيت. ثم ان تطور الحياة الاجتماعية في هذا العصر، وما يتبع هذا التطور من زيادة تكاليف الحياة وتنوع مطالبها، قد اثر كثيراً في افكار الناس وميولهم، فصاروا ينظرون الى الحياة من زاوية جديدة واصبح المرء لا يرضى ان يكون كما كان بالامس، الامر الذي جعل الشاب والشابة يطمع كلٌ منهما في بيئة غير البيئة التي يعيش فيها. فلا هو يقنع برفيقة من مرتبته مالاً ونسباً ولا هي تقنع بشاب تقعد به حالته المالية عن ارضاء مطامعها. والنتيجة التي لا بد منها ان يقضي الفريقان اجمل ايام حياتهما مفترقَين. اما الشاب فانه يرغب في التوفيق ويسعى اليه، واما الفتاة فانها تتخذ من حكمة الشاعر بعض السلوى: «ما اضيق العيش لولا فسحة الامل».
بيد ان هناك سبباً غير مالي يقف بالشاب موقف المتردد في امر الزواج، واعني به بكثرة الملاهي وتعدد اسباب الملذات لا سيما في هذا الزمن الذي فيه تدفقت علينا مناهج الفنون الغربية على اختلاف انواعها، فاستأسرت عواطف الشباب واستنزفت اموالهم ونشاطهم. فصار الواحد منهم يعتقد او يميل الى
الاعتقاد بان الحياة لهو وان السعادة (اذا كان ثم من سعادة) يجدها المرء في المقهى لا في البيت. وهي نزعة يخشى ان تتأصل في النفوس فتقضي على خير ما يتطلبه الوطن من ابنائه الصادقين.
اما القول بان حياة العزوبة حياة حرية وطرب فقول مشكوك فيه، ولا اظن ان من يذهب هذا المذهب يعتقد بصحته ويستطيع ان يؤيد قوله بالادلة المعقولة.
اما ازالة الاسباب المؤخرة للزواج فأمر صعب وليس في وسعنا التعرض لها مباشرة. وقد يمكن تخفيفها متى كثرت المشاريع الاقتصادية والزراعية ومتى تعددت اندية الرياضة البدنية وغيرها من الامور التي تعود بالخير على الشباب والشابات.