لقد فضل الانسان على الحيوان بنعمة النطق ، اي بالعقل والفكر ، وهو ما يزال يحكم هذا الجوهر النامي ومنذ ان نعم بالحياة ، ساعياً وراء المعرفة ، شغوفاً باستجلاء المجهول ، يستنبط حقيقة من حقيقة ويربط حلقة باخرى ، ويتقدم في تطوره جيلاً بعد جيل ، ويجلس من دهره حيث يؤهله وعيه ويكفله نشاطه .
والواقع ان الجنس البشري قد تباين في فهم الحياة واختلفت مقاييس انتفاعه بما تضرب له من امثال وما تلقنه من دروس ، فرفع الناس بعضهم فوق بعض درجات ، وقسموا اقوياء وضعفاء ، وفرقوا سادة وعبيداً .
فالكائنات الحية مفطورة على حب الغلبة والتفوق ، والحياة في منابتها مرتكزة على القوة والجبروت ، وليس للضعفاء بين الأقوياء مكان ، ولا لهم عندهم منزلة وشأن . وها هي المدينة الغربية وقد بلغت الاوج في منتصف هذا القرن يتضاءل امام القوة عندها كل منطق واعتبار ، وينهزم الحق الاعزل في واقعها امام الباطل الجبار ، وهاتان القوتان اللتان تتصارعان وتتنازعان حكم العالم والسيطرة عليه اليوم ، انما تتكلان في نزالهما على القوة ، قوة الفرد ، قوة الآلة ، قوة الانتاج ، قوة الاستثمار ، وتسخران في سبيل اغراضها ما يدخل في حوزتهما من وسائل وامكانيات ، دون ان تردعهما عن قصدهما قيم روحية او اعتبارات انسانية ، ومعها اختلفت المبادئ التي تدعو اليها وتتذرع بها كل من هاتين الكتلتين ، فالحكم هو الهدف والغلبة هي الغرض ، وما دونها وسيلة وتعلّة وطلاء .
وكما تسري الحياة في ادوار متتالية ، والعلم على درجات متتابعة ، والطبيعة في فصول متعاقبة ، كذلك للتقدمية الاجتماعية مراحلها المتوالية ، المرحلة البدائية ، والمرحلة الوسطى ، والمرحلة العالية .
ففي المرحلة البدائية عاش على الاتكالية والاستكانة ، وارتضى هبات الطبيعة قانعاً صامداً ، اقتصر نشاطه على لقمة يزدردها وثوب يرتديه ، لم يجر وراء المعرفة ولا تحكم بقوى الطبيعة ، فاندفعت مياه الانهر تعمّ في الارض ايذاء وتخريباً ،

