تلك هي مراحل التقدمية الاجتماعية المتماسكة، واني لأقرر والأسى يجز في الصدر، ان الامة العربية في عصرنا هذا لم تتخط بعد حدود المرحلة البدائية، فالشعب العربي لسابق مساهمته في الحضارة الانسانية، استحال محوه من سجل الشعوب، وظل جماعات لها اسم الامة وليس له مقوماتها، منتظماً في حكومات لها الشكل والمظهر دون الوسائل والاسباب، وها هو وقد انطوى النصف الاول من القرن العشرين، مستكيناً للتقدمية البدائية، متلذذاً بذكريات الماضي، نائماً على مفاخر الامس، وامم على وجه الارض تفجر الذرة وتخاطب الافلاك وتخترق السموات السبع الطباق.
ولقد جاءت نكبة فلسطين بخزيها وذلتها وما رافقها من تفكك وتنابذ مصداقاً لما اقول، وآية بينة على ان العقلية العربية الواعية لم تتكون بعد في هذا العصر.
وسنظل امجاد العرب ومفاخرهم قصصاً رائعة لاطفالهم وناشئتهم، ومخدراً فعالا لعقولهم وادمغتهم، وستبقى رماحهم الطويلة البراقة وسيوفهم الهندية البتارة اطيافاً خلابة لخيالهم ومواضيع شيقة لتندرهم.
وستشتد اسرائيل وتقوى ما دامت واعية متحدة متساندة، وسيضمحل العرب ويهنوا لانهم قوم لاهون لا يفقهون... وقوم نفذت دسائس العدو الى اكابر رجالهم فافسدت ضمائرهم وزيفت اسلحتهم، فاحتفلوا بالهزيمة على انها نصر من الله مبين... ومدوا العدو بالغذاء والكساء على انه ربح مادي جسيم... رأوا بطون آبائهم تبقر، وعيون اطفالهم تفقر، وحرماتهم تستباح وتشهر... ثم راحوا ينعمون بملاذ العروش ملوكاً... ويستمتعون بمغريات الحكم رؤساء...
ويتلذذون بالعيش جماعات وافراداً... هؤلاء لعمر الله هم القوم الخاسرون..
قد يرد بعضهم هذا الواقع الاليم الى اسباب لا تنقصها الوجاهة وعوامل تنطوي على كثير من الحق، ولكننا لا نعلل الامور الآن ولا نردها الى اسبابها، وانما نقرر اوضاعاً راهنة وندون حوادث واقعة دونما تجريم او توزيع. ولا يقعد العرب اليوم عن الحركة والتطور والتقدم تكوين طبيعي شاذ او مناخ اقليمي قاهر، وانما العرب مصابون اليوم بالميوعة وفاقدون نعمة الادراك وقوة التمييز. ومن هنا ذر قرن الخطر علينا، وبرزت اطماع الدول القوية بما نعيش عليه من تربة بكر وموارد طبيعية غير مستغلة.
العقل الانساني المبدع محور الانتظام ومصدر الاشراق. وقواه الخلاقة على استعدادها الفطري ومؤهلاتها الوراثية، تتأثر الى حد بعيد بما تحاط به نامية، وبما تدرب عليه فتية، فتحريرها من الوهم والهوى وتبرئتها من الضعف والتشويه ضرورة ملحة وصفة لازمة، ليحثها عن المجهول واغتيابها باقتحامه واستجلائه. فليت شعري هل يتحرر العقل وينمو ويبدع في ضيق الافاق وظلمتها؟؟ وهل تشتد قواه وتنتظم وتنتج في اكفهرار الاجواء وتقلبها؟؟ وهل تتجلى مكنة الفكر وتشع في كيد المجالي ودسها؟؟ هل تقوى شخصية الامة وتتفاعل امكانياتها بين تسابق الانتداب العلمي وتزاحم الاستعمار الثقافي؟؟ هل يعظم الشعب قدرة وكيانا ومقوماته الحيوية موكولة الى غيره من الناس تنتاشها غاياتهم وتتقاسمها مصالحهم؟؟ فالعلم بجوهره الخالص وتقليده الايجابي الاصيل تقدمي بطبيعته، وتقدميته تتميز بالتطلع والتحرر والاستمرار والانتظام، فاين المبادئ العلمية التطبيقية، التي ما برحت الشعوب الفاهمة تعمل فيها تنقيحاً وتحسيناً لانماء المفاهيم واغناء العقول
كي تسود بها وتقوى وتسيطر، من تقاعسنا الاتكالي جماعة وشعوباً؟؟؟ اين توحيد الثقافة في دنيانا؟ اين الانضباط الانشائي في مناهجنا التعليمية؟ وهل هو واقعي في مجتمعنا ومؤد مفهومه الاصيل بين طبقاتنا؟ هل اتحدت الثقافة في ساحاتنا والتفت حول انهاض البيئة ودرأ التصدع وتوضيح الغايات العلمية الصحيحة؟ هل وصل العلم بالمرأة الى استكشاف النواحي الروحية الدقيقة المتوجبة لتآلف الحياة الزوجية وتعمير البيت العربي؟ هل ادى التثقيف بشبابنا الى الشعور بالواجب العام والاغتباط باقتحامه والقيام به؟
ان المقياس الصحيح لتقدم مجتمع ما، هو مقدار ما استوعبه نشاطه من غايات ثقافية مصلحة، وكل علم مقتبس عن الخارج ومستمد من الغير، يكون صفة ظاهرية وطلاء خارجياً، لا يعمل في مصلحة الامة ولا يكون تراثاً قومياً خالصاً لها، والشعوب التي تقدمت اشواطاً في مضمار هذا الفهم والادراك، لم تحقق لنفسها العلم الصحيح وتنعم بثماره اليانعة، الا بعد ان حققت شرطه الاساسي وباعثه الاصلي، وهو التحري عن الحقيقة الجوهرية الكامنة في الاسلوب التعليمي، ذلك الاسلوب المنضبط في مضامينه والضابط لملقيه.
لقد اعتمد المنهاج التعليمي عندنا على الذاكرة وحشو الذهن، دون الالتفات الى نواة الشخصية، والاهتمام بتقوية الشعور بالواجب العام، وصقل جوهر النزعة، فالطالب يستظهر المواد ليجتاز الامتحان، فاذا ما ادى هذا الواجب ونال الشهادة خرج الى الدنيا وقد عفا من ذاكرته حشوها، ولما ينقضي عليه بضعة اشهر، فهو على حمله عالي الشهادات، لا يعرف كيف يضع لبنة في بناء هذا المجتمع، ولا كيف ينفع الامة بغير وظيفة آلية نفعية تعوله وذويه، اما
