
كتب بائع زهور يقول : « جاءني ذات يوم اولاد ثلاثة لم يتجاوز احدهم العاشرة من عمره ، وخلع الاول قبعته وخاطبني بأدب قائلاً : نحن بحاجة الى باقة من الزهر الاصفر ! فأريتهم بعض الزهور الصفراء ، ولكنهم طلبوا صنفاً افضل . سألتهم هل من الضروري ان يكون اللون اصفر ؟ قالوا : ان رفيقنا كان يحب اللون الاصفر ، وقد كان يلبس دائماً قميصاً اصفر ، والان فاننا نرغب ان نزيّن ضريحه بورود صفراء ! .. وكان الاولاد يتكلمون والعبرات تكاد تخنقهم ، والغصة تقف في حلوقهم . فجمعت باقة من الورد الاصفر وقدمتها لهم وقلبي معجب بعاطفتهم النبيلة البريئة » .
قرأت هذا الحادث فشعرت بشيء يتسرب الى نفسي ، شيء غير الاعجاب بالاطفال وبعاطفتهم السامية ؛ انه شيء يشبه الارتياح - ذلك لان نفسي اكتشفت مجموعة من الناس قد تجرفهم الدنيا بتيارها الصاخب وقد تحاول ان تحجر قلوبهم بأحداثها القاسية ، ولكن هذه القلوب ستظل رقيقة مليئة بالرحمة النبيلة .
ساءلت نفسي : ترى اخلق هؤلاء الصغار هكذا ، أم انهم نشأوا في رعاية امهات انسانات ،
بحثن عن جذور الرحمة في نفوسهم فسقينها وتعهدنها فنمت ؟ وتذكرت سيدة كريمة كانت تخرج بصحبة طفلتها في نزهتها اليومية ، فاذا ما راحت الطفلة تثب ضاحكة ، واذا ما مرت وامها بذي عاهة أو بمستشفى ، همست الام باحترام وتأثر : يا للمساكين ، ليتنا نستطيع ان نفعل لهم شيئاً ! فاذا بالصغيرة تقف وتسحب القرش الفضي من جيبها ، ثم تحاول ان تكسره لتعطي البائس نصفه ! فتحل الام المشكلة ، وتصر الصغيرة بعد ذلك على ان تأخذ قرشها نصفين لعلها تحتاجه . ولولا ان لفتت الام نظرها لمرت دون ان تأبه للامر ، ولتحول عدم الانتباه تدريجياً الى لا مبالاة ..
في اعماق نفوسنا ، في البحر المتلاطم الاغوار فيها ، يرسب الكثير من عواطفنا صغاراً ، عواطف لا ندرك كنهها ولا نوعها تماماً .. ولقد برهنت حوادث الدنيا ان الخير في نفوسنا قد يكمن طويلاً الى ان تظهره البيئة والظروف واللمسة الرقيقة ، كما ان الشر قد يكمن طويلاً الى ان تظهره البيئة والظروف واللمسة القاسية ؛ وكلا العاطفتين قد تذبل فتموت ، ان لم تتعهدها الظروف الموقظة .
والانسان - من الذي اسماه اول ما اسماه بهذا الاسم ؟ بل على الاصح من الذي اخرج مشتقاته فاذا هي انسانية وانسي واناس وانسانة الى آخر ما هنالك .. ؟ كل ما يهمنا في الامر ، وكل ما يلزم لمجتمعنا هذا الذي تحجر ، ان يوجد في الدنيا اناس يحبون لا مجرد بشر يعيشون ..
هذا الطفل في مهده يلعب بالقطة فيشدها من اذنها أو من ذيلها ؛ انه لا يعلم ان بين يديه مخلوقاً يحس .. هؤلاء الصغار اخذوا القطة وعلقوها بحبل فشنقوها بعد ان اذاقوها مر العذاب وهم يضحكون ؛ من اين جاءتهم هذه القسوة ولا من يلطف حدتها ، قسوة قد تكون ممهدة للاجرام ؟ هؤلاء الاولاد يرون بالابله فيلاحقونه ويرمونه بالحجارة ، ويرون بالاعمى فلا يأخذون بيده ليقطع الشارع ؛ انهم في كلتا الحالتين مجرد بشر لا اناس .. هذا الطير ينزع من عشه
فتظل افراخه تصوص جوعاً حتى تموت .. هذه العاطفة الخشنة تبدو من اطفالنا في منازلنا :
يضربون الخدم ، لا يحنون على الشيوخ والمرضى منا ، يقابلون عاطفتنا الجياشة بالبرود ، من الذي عودهم ان يأخذوا ولا يعطوا ، أو ان يأخذوا الكثير ويعطوا القليل ؟ ..
ان العالم اليوم يتحجر . واني لاذكر في طفولتنا شاباً سقط قتيلاً في قرية مجاورة ، فاهتزت المدينة وزحفت جموعها تعزي ، ثم عادت والكآبة تغشاها وراحت تتحدث عن المأساة بتفاصيلها : من بركة دماء الشاب الذاهب ، الى فرسه الواقفة بجانبه تبكي ، الى فجيعة والديه الشيخين ؛ احاديث نشرت ظلاً من الكآبة غمر الناس ، وغمرهم اسابيع .. فلماذا تقسى شعورنا اليوم ؟ لماذا تحمل الينا الصحف والمذياع كل يوم اخبار عشرات المآسي فننساها بعد دقائق كأنها لم تكن ؟
اكان في ضجيج المدينة والركض وراء اللقمة نهاراً ووراء المتعة ليلاً ما يلهي ؟ الا بئست اللقمة والمتعة اذاً .. اكان لكثرة ما نسمع ، وقد اصبحت الدنيا وحدة وارتقى العلم فراح يحمل الينا كل يوم اخبار مآس ، ان اصبح الامر اعتيادياً عندنا .. ؟ بئس العلم اذا امتزجت فيه الحسنة بالسيئة .. اكان لأن المرأة شغلت عن طفلها فلم يجد بجانبه من يحرك عواطفه الراكدة .. ؟ يا لسوء ما جنت الام اذاً ! ..
وبعد ، تعالوا نجرد الدنيا من الانسانيين ، من
٢٠