- يا للعنيدة !
- عنيدة ؟ لا بأس ، اني اشعر بالرضى ينبثق في اعماقي .
- اهو الرضى لفراقي ؟ لو كنت اعلم ان النهاية ستكون هكذا لكان اهون علينا ان نفترق من اول الطريق .
- ما باليد حيلة ، فموقفي يومها لم يكن كموقفي اليوم . اذ عليّ الآن ، بعد ان جار الردى على والدي ، ان اكون لسامح اماً واباً واختاً ...
ويطرق مختار برأسه ويسبح في بحر من التفكير قبل ان يرفع اليها عينين فيهما وداعة التسليم ، ويقول :
- اذن سأنتظر !
وتنتفض عايده وتقول بشدة : تنتظر ؟ كلا .. لست ارضى لك ان تنتظر الى أجل لست ادري ابقصر بنا ام بطول . امض يا عزيزي ، امض ولا تنس لهفة امك في ان تراك ( عريساً ... ) ! امض وانت في حل من كل عهد وميثاق . وما اكثر الفتيات في ارض الله الواسعة !
ويمضي مختار ليعود الى الرجاء والامتناع والتوسل في مناسبات مقبلة ، وعايده لا تزال على عزمها واصرارها وتضحيتها .
وتطوي عايده الصفحة الثانية من كتاب العمر ، اذ اتعبتها ذبذبات النور تتراقص فوق شمعة تحترق لتشع نوراً في عيون الآخرين .
-٣-
وحيدة وحيدة ، في روحها ظمأ ، وفي قلبها فراغ ، ليس هو الندم - كلا
فليست بنادمة ، وسامح يرتقي سلم النجاح مثنى وثلاثاً ورباعاً .
ولكن يحدث احياناً ان بداخلها شعور حزين . والمشاعر الحزينة لا تحيا الا في زوايا الوحدة .
من كان يقدّر بان القدر سيتدخل هذا التدخل الكبير في حياتها ، فيحولها عن طريق فرشت بورود الاحلام ، وهومت في اجوائها حمائم الاماني في انطلاقة مرحة ، فيبتليها بهذه الوحدة ، ويحكم عليها بهذا الانتظار ، ويحتجزها لتحيا بين البيت والمدرسة حياة رتيبة ، لئن ارتضتها المصلحة الا ان طبيعة الشباب الفوارة تأباها عليها ولا ترضاها لها ؟!
ومختار ؟ اتراه قد نسيها ؟ اعوام خمسة قد انقضت على فسخ خطوبتهما ، وما اكثر ما رجاها ، وحاول ان يثنيها
عن عزمها ، فما افلح في رجائه ولا نفع معها الاقناع !
ولكن لمَ لم يتزوج يا ترى ؟ أشغل ، وهو المقاول الناجح ، عن دنيا العاطفة بدنيا المال ؟
انها لفي عجب من امره ، وفي حيرة من احجامه ، اتراه ينتظر ؟ ..
انها تستبعد هذا وهو الذي ما عاد يزورها الا لماماً ومجاملاً في المناسبات التي تستوجب زيارته كحضور سامح في عطلة ، أو حلول عيد أو موسم .
لكم تجلس الساعات تحاول تحليلاً لموقفه فلا تفلح ، أو تظل تتأرجح بين الشك واليقين ، فلا تستفيق الا على الحاح القلم الاحمر العنيد ، يدعوها لتمر به على اكداس الكراسات ...

