كثيراً ما نشاهد خلافات ، بل نحضر مشاجرات تنشب في قلب الاسر على اختلاف اوضاعها الاجتماعية ، فنلاحظ وجود حاجز اليم يفرق بين الاب وابنه وبين الأم وابنتها . واذا بحثنا مفتشين عن سبب هذا التوتر الداخلي الممزق للعلاقات العائلية ، لوجدنا ان لقلة اتصالات الاهل بأولادهم وعدم تفهمهم اياهم التأثير الاول في انحدار مستوى المودة والاخلاص بين الفريقين .
هذا وان لكل واجباته وحقوقه المقدسة ، سواء أكانت حقوق الابن وواجباته نحو ابيه او العكس بالعكس ، فهي تستدعي واجبات وحقوقاً مقابلة لدى الفريق الآخر . وما يؤسف مراقبي شؤون الاحداث خاصة ، المعاملة غير اللائقة بهم التي يتلقاها هؤلاء في البيت أو في المدرسة ...
الحدث ليس بولد كسائر الاولاد ، يخضع لقوانين الطفولة العامة ، كما انه ليس بالشاب المستكمل جميع اعضائه الداخلية التي لا تعديل لها مبدئياً ولا تطور . ما الحدث اذن وما هي اوصافه واوضاعه الواقعية ؟
انه لأعجوبة بكل ما في الكلمة من معنى . اعجوبة تكتم في طياتها الغامضة اسرار محتوياتها الغنية بالمفاجآت المتنوعة . تلك المحتويات التي لا تلبث ان تخرج بين الحين والآخر حتى ينطوي بعضها على بعض مجدداً ، فنعود الى مصدرها تاركة مراقبيها في حيرة ، تستمر الى ان يبلغ الحدث سن الشباب ، فيصبح ضمن نطاق معين ، خاضعاً لنواميس جديدة ، سائراً في طريق مرسومة تقوده نحو مرفأ الكهولة حيث بانتظاره روابط اخر وانظمة لا غنى عنها ، غير انها لا تشبه السابقة منها الا ببعض النقاط التي لا تهم بحثنا مباشرة .
فالحدث الذي يخرج من المرحلة الثالثة ( وتختلف مدة الطفولة الثالثة مع اختلاف الاقطار ، وهي تتراوح بين السابعة والثانية عشرة عادة في الشرق ) هو بعين عالم النفس ، أو بالاحرى بعين من الف خلقه وراقب نفسيته الخاصة وحاول التعرف الى شتى احتياجاتها ووضعها الراهن في اغلب الاحوال ، انما هو شخص يمتاز على غيره من ناحيتي رقة الشعور وقوة العصب . الحدث دقيق الحس ، سريع التأثر والاغتياظ الى درجة تكاد لا تخطر بذهن انسان ... وما نقوله عن الحدث كم هو بالحري اكثر
صحة عند الحدثة ! ( ومن المعروف ان الاناث يسبقن الذكور بلوغاً عقلاً وجسماً ) وها اني اذكر حادثاً شخصياً ربما يلقبه البعض بتافه أو ساذج غير انه نال مني استحقاقه الخطير نظراً لأهميته النفسية ، وهي الوجهة الشاملة موضوعنا بأسره :
وقد جرى هذا الحادث في العام الماضي باحد معاهد البنات حيث كنت مدرساً . فقد سألت مرة احدى الطالبات ( وعمرها ، الذي له صلة مفيدة في بحثنا هذا ، كان يقارب السادسة عشرة ) ان تتلو درسها ، وكم كانت دهشتي كبيرة لما سمعت بدلا من الدرس المطلوب ، صوت بكاء غزير يتدفق من عينيها برواج نهر ابراهيم !
مسكينة كانت تلك الفتاة الحدثة التي لم تكن تحفظ درسها والتي لم تكن ترضى بتقديم أية صورة اعتذار سوى حرارة بكائها الشديد ومرارته !..
واليكم مثلين واقعيين آخرين اكثر غرابة من الاول ، الا انها لا يبعدان عن متناول المنطق اكثر منه . عرفت فتاة في الرابعة عشرة من عمرها امست على وشك الانتحار لسبب سوء معاملة كانت تتلقاها بشكل مستمر من قبل ابيها الطاغي . واخرى القت بنفسها من نافذة غرفتها وذلك لداع لا يقل خطورة عن سبب الحادث السابق بل ويفوقه اعتباراً ، الا وهو ثورة الجوار على عرضها . وجدير بالذكر ان تلك الحدثة التعيسة كانت عفيفة بريئة في الواقع !
فلنتصور اذن الى أي حد من المبالغة يمكن ان تتوصل نفوس الاحداث الهائجة اثناء نوباتها ، ان لم يصر اللازم لتسكينها وتوجيهها توجيهاً رزيناً صائباً لضبط التيار الذي قد يجرها الى ما شاء حيث الاسف والندامة ...
وكم من قصة قرأها كل منا اطلعته على مآس اجتماعية حقيقية من هذا الطراز أو غيره ! افلا تسمعنا صوت الصحف يومياً صدى حوادث وخيمة ، مسرحها الحياة وابطالها وبطلاتها غالباً فتيان وفتيات لم يتجاوزوا سن المراهقة ؟ وربما يقف البعض ناسبين الحوادث الآنفة الذكر الى اختلال نفسي أو اضطراب في الاعصاب .
اجل ، انه لمرض عصبي . ولكن لما كان هذا النوع من المرض معمماً ومتأتياً عن وراثة طبيعية تدرك كل حدث وحدثة في ظروف رهيبة تقع مع اهم مراحل حياتهم الفردية والاجتماعية ، فانه لا يصح القول اذا ما لقب هذا الوضع بمرض عصبي او باختلال مؤقت ، الا في احوال التطرف الزائد ، كالانفعالات اليائسة والحول السريع الانفجار وحالة الانتهاض والهيجان المستمر الخ .
