اما في خلاف ذلك، فان سن الحداثة تدعو بطبيعة الامور الى نوع ما من العصبية والتوتر النفسي.
ترى ما هي دوافع هذا التوتر أو على الاصح ما أسبابه؟ وكيف يترتب على الوالدين خاصة وعلى المربين عامة جوهر تربية الاحداث وتوجيههم ومعاملتهم معاملة تتفق واحوالهم النفسية وحاجاتهم المشروعة؟
ان ازمات الاحداث ترجع في الاساس الى داعين فعّالين: أولها فيزيولوجي يشمل كافة التعديلات والتطورات العضوية خلال مدة المراهقة، وهنا يجدر بنا ذكر اهمها، الا وهي بداية الوظيفة الجنسية، يرافقها نمو شعر جديد في مختلف انحاء الجسم وتغيّر ملحوظ في الصوت. والسبب الثاني نفساني بحت، وهو يرافق العزلة الفردية ويعمل معها لمحاولة المسالمة بين الدنيا الخارجية ودنيا النفس. هذه المحاولة بل المقاومة يخوضها الفتى (أو الفتاة) في هذا الدور الوعر من حياته لايجاد طريق تودي به الى الثبات والتوازن الفكري والاستقرار العام، ذلك التوازن وذلك الاستقرار اللذين قد سعى من اجلها مراراً مدى مراحل طفولته الثلاث وانقلاباتها السابقة دون الحصول على أية نتيجة نهائية.
وبديهي ان يحاول الحدث (وسنه تتراوح عادة بين الثانية عشرة والثامنة عشرة) بعد رسوبه المتكرر، حل مشاكله بذاته. فاذا التفت اليه رأيته غائصاً في يم البحث عن مستقبل يحلم به، او رسالة، أو دعوة تسطع قبيله كالشهاب الجذاب غير انها بعيدة الوقوع ان لم تكن سخرية خيالية مستحيلة...
فعلينا اذاً - نحن معشر المربين - ان نطلع بقدر امكانياتنا على أوضاع احداثنا الحالية، وان ندرس نفسيتهم درساً دقيقاً مفيداً يسهل مهمتنا التربوية ويتفق مع مصالح الجيل الجديد. ولكن ذلك لا يأتي الا عن طريق مخالطتهم والاحتكاك بهم احتكاكاً ذكياً يزيد رغبتهم في الحياة العملية ويدعم أمانيهم على أسس متينة لا تتزعزع، هذا بالاضافة الى نيل الثقة المتبادلة مما يثبت المحبة في القلوب والعقيدة في الصدور.
كم وكم من العواهر اللواتي فررن من بيوتهن والتحقن بدور البغاء لسبب خلافات عديدة مع اهلهن او سوء معاملتهم، لهن الصادرة ولا ريب عن عدم تفهم الاحداث عن كثب، وعدم التقيد بأحكام التربية السليمة!
وبهذا الشكل يمكن ايضاً معالجة ازمة الخادمات اللواتي يلجأن الى السرقات والأذى بشتى فروعه، وهو نوع من الانتقام لقاء سوء معاملة او ضغط شديد من قبل ارباب المنزل.
وهكذا يمكن ايجاد حل مناسب لغير ذلك من مشاكل اجتماعية حالية. وبكلمة مختصرة، اذا حاولنا فهم احوال احداثنا وميولهم ورغباتهم، فبإمكاننا معاملتهم حسب اصول التربية الصحيحة الحديثة، كما يفعل الطبيب عقب الكشف والدرس، ولمعالجة امورهم خير التأثير عليهم وعلينا، اذ ان المصلحة مشتركة!

