ان العالم العربي يقف اليوم على عتبة نهضة شاملة تتناول مناحي الحياة كلها دونما استثناء . فلا غرو اذن ان رأينا شعوبه تبدي تردداً عظيماً بين الماضي والحاضر وتنظر الى المستقبل بعين ملؤها القلق والريبة . ولا بد لهذا الوضع المضطرب من مسببات وعلات تظهر جلية واضحة لدى الدرس والتحليل . بيد انني اعتقد ان السبب الاول والاهم يتعلق بمبدأ اساسي اقره العلماء والخبراء وهو ان كل نهضة ، سياسية كانت ام صناعية ، يجب ان يمهد لها بنهضة اجتماعية ثقافية اذا اريد لها النجاح والثبات . وقد لا يحتاج القيام بالنهضات السياسية والصناعية الى كبير عناء اذا كانت قائمة على اساس متين من النهضات الاجتماعية الثقافية . ولا اغالي اذا قلت ان كل محاولة تبذل للنهوض سياسياً وصناعياً قبل الالتفات الى النواحي الاجتماعية الثقافية ستؤول حتماً الى الفشل ، وليس من المستبعد ان تؤدي الى عكس النتيجة المنشودة . وهل يرجى النجاح لنهضة صناعية أو سياسية يكون فيها الشعب هو العامل الرئيسي ، اذا كان السواد الاعظم يجهل حقيقة الاسس العلمية التي ترتكز اليها تلك النهضة ؟ ان المطلعين في كل بلد يجمعون على ان الرقي الثقافي هو اساس كل تقدم وفلاح . وليس من المعقول ان يسمو المستوى الصحي بين امة مثلاً اذا كانت
افرادها لا يعلمون ما هي القواعد الاولية لانقاء الامراض . كما انه لا ينتظر من بلد ان يرقى الى المراتب العليا في الفلك السياسي اذا كان ابناؤه يجهلون الطريق المؤدية الى ذلك . وسأقتصر هنا على طرف واحد من الناحية الثقافية .
للثقافة ثلاثة ميادين - البيت والمدرسة والحياة العامة ، غير ان هذا الاخير هو اوسعها مدى ، اذ تتشعب فيه الاختبارات وتتنوع المدارك وتكثر اسباب المعرفة التي تأتي في جملتها الاذاعات والصحف والكتب والنوادي الادبية والنوادي الفنية والسينما وغير ذلك كثير . اما السينما فهي لا تزال مثار جدل شديد في العالم العربي بين الجيل الجديد والجيل القديم ، وانك لتجد احدهم يقول انها معول هدم وآخر يؤكد انها اداة اصلاح وخير ، وينظر اليها بعضهم وسيلة للهو وقتل الوقت . وكثيرون اولئك الذين لا يرتادون دورها لاعتقاد راسخ في اذهانهم بأنها مفسدة للاخلاق مثيرة للغرائز الحيوانية ، بينما نرى عدداً لا يستهان به من ابناء هؤلاء الممتنعين يكثرون من غشيان السينما رغم كل تحذير لا لهدف معين أو غاية محدودة وانما للمتعة ورغبة في الممنوع .
اما انا فلست من ذوي الآراء المتطرفة ولكنني أميل الى الاعتقاد بأن
السينما اداة نافعة شرط ان يتوخى القائمون عليها الصلاح والتهذيب . ولقد سمت صناعتها في الغرب حتى غدت عنصراً من عناصر الثقافة والاجتماع لا غنى للصغير أو الكبير عنه .
يقول علماء التربية ان افضل اسلوب لتعليم الصغار هو ذلك الذي يعتمد على وسائل الايضاح المحسوسة ، اذ ثبت ان الطفل اذا شاهد بأم عينه التطبيقات العملية للدروس النظرية رسخت المعلومات المطلوبة في ذهنه رسوخاً سريعاً لا يمحى مع مرور الزمن . وفي كثير من رياض الاطفال الحديثة يقتصر التعليم على الدروس العملية . فالسينما تبدو والحالة هذه خير وسيلة من وسائل الايضاح ، لا للصغار وحسب ، بل للمتقدمين ايضاً من الطلاب ، فهي تساعدهم على تفهم الحوادث التاريخية بالتفصيل ، وتطلعهم على مشاهد حقيقية عن بلاد قرأوا أو سمعوا عنها الشيء الكثير ولم يتسن لهم السفر اليها . ثم انها


