نداء الربيع
تهادى الربيع طاوياً في برديه طاقات من ازاهيره ووروده التي ما زالت ترتجف على غصونها ملتمسة الدفء والنور . ولعلها تحلم كما يحلم الانسان ... وكما تتفتح اكمامها ويرتق النور عيونها . بودي ان ادعها تستكمل نموها ... وتصير الى نهايتها ... ولكن الرغبة في اهتصار عودها قبل اوانه تحدوني الى قطافها والاستمتاع بها قبل ان تدب اليها يد الذبول فتحرمني متعة انشدها ولذة استريح اليها .
ما تمنيت لها استقراراً او بقاء في آنية او احص مهما زخرفت وزينت لانني اعلم ان حياتها فيها الى حين فهما طال بقاؤها فهي صائرة الى الزوال وئيداً وئيداً كما ماتت تلك الوردة في الاناء المتصدع على حد تعبير الشاعر الفرنسي الفريد دي فيني . ايتها الورود ان عمرك قصير وخطبك يسير ولعلهم جعلوا منك مثلاً لعدم البقاء على العهد فائن عتب الحبيب او لج الصديق في العذل فلن يجد خيراً منك يتأسى به . وما ذنبك انت اذا كانت الطبيعة الضنينة بمفاتنها تجعلك قصيرة العمر اولاً يقال للشباب الذاوي قبل اوانه ... ان عمره عمر الورود !
اجل لا اريد لك البقاء في منزل او بهو او على مائدة لانه خير لك ان تتساقطي وريقات صفراء لترث في الارض .. فلن تعدم الارض بقية من عبقك تنثر في الافق المتأرج فتضخ الاجواء . ولرب عابر يمر مسرعاً او متئداً فيردد
بينه وبين نفسه : مباركة هذه الارض الطيبة انها تعبق برائحة الورود ... انها موئل للرياحين ... ......
لا استطيع ان امنع عنك الموت .. فتلك حقيقة الحياة ومنذا الذي يستطيع ان يغير من طبيعة الاشياء . انها حقيقتك الخالدة .. تحيين مع الربيع كلما آذنت الارض بدورتها السرمدية .
ما تمنيت لك ان تنثري على القبور لو لم يكن في بعضها ما يشع بالحياة ، سأنثرك على قبور هؤلاء المجهولين .. الجندي المجهول الذي يساق الى الموت والوطني المجهول الذي يعفي الزمن خبره .. والعالم والاديب وكل هؤلاء الذين يساهمون في كيان الحضارة وبناء الانسانية . سأنثرك على قبور الشهداء الذين يموتون وهم يعاولون مؤثرين ذلك على العيش وهم جثم سجود يزحفون على بطونهم ، على الذين قضوا كالشموع لتبعث النور وغاروا كالشهب المتساقطة من علياء السماء .
سأنثرك في موكب الاحياء .. موكب المتحابين المتعاطفين المتوادين الذين يحتفون بالحياة .. هؤلاء الذين جمعهم الحب وباركتهم الطبيعة .. انهم جديرون بك . اني اود ان انثرك في مواكب الطموحين المغامرين .. البنائين الهدامين .. الذين يحملون الشاقول بيد والمعول باليد الاخرى .
سأحملك الى حيث ترسلين من عبقك في اكواخ وبيوت لم تعرف الا رائحة الدخان .. وكأنها تحيا في عالم العوسج والشوك .. فهناك ستجدين سر الحياة اكثر ما تجدينه في مجالي الترف والثراء
والسعة واليسار.
سألقي بك الى صغير يحملك ويحتضنك حفياً بك حريصاً على اهدائك باعتزاز وفخر الى معلمه او معلمته . الى من يلقنه المعرفة .
لن انثرك في المواكب ترجية لنفاق او اصطناعاً لوجاهة .. ولن القي بك او اغرسك في قبور ماتوا اصحابها قبل ما اندفنوا ... بل ساستبقيك حتى يحين الوقت وتصبح فيه الحياة جميلة كالورود .. يومها يمكن ان تشعري بانك تحيين في كل سمة من سمات الحياة ... لانك تجدين تجسيداً لك في الحق والخير ، والجمال والحب .

