اشعلت انتخابات الخامس عشر من نيسان املاً كاد ان يخبو ، ووشوشت الاماني في نفوس المتيكفئين على نفوسهم هذه الجملة السحرية :
يا قوم هي طلائع الفجر !
يا ما اقرب هذا الشعب الى المحبة والى تسجيل الحسنة !
وكانت ليلة وكان نهار. هذه مكاتب الاقتراع تنقلب الى معابد ، والموظفون - اباهم - يقومون بعملية انتخاب نزيه حيادي مثالي .
والشارع ؟ والنبايت ؟؟ لقد عشنا مع وزارة السادة حسين عويني وبولس فياض وادوار نون يوماً مسحوراً قلنا فيه : من الممكن ان نموت في لبنان شرعة الغاب !! ومن المبين ان نقبر التزوير ونضع فوقه صخراً !
هي صفحة بيضاء سجلها لبنان لثلاثة رجال من قلب بيروت .
لم تسقط في الصناديق ورقة واحدة لرجل مات ! ولم تدخل اوراق باسم محمد وجورج ومارون ، وتخرج باسم مصطفى ونقولا وروكز ! ولم يزد عدد المقترعين على عدد الناخبين ...
هذا في مكنة الحاج حسين عويني ورفيقيه ، وما عدا هذا فذلك حكاية اخرى ، تلك حكاية :
جذور الشر ...
عنيت به ذلك الصخر القديم الجاثم فوق صدورنا !
عنيت تلكم السياسة القبلية والمشايخية والاقطاعية على وجوهها السبعة ... الماثلة على اجسام هذا الشعب ، تحتكر الرغيف والضوء والماء والحرارة والسقف والمواصلات !
هذه المشايخية التي اوجدت فيها اوجدت نظام الانتخاب الخاطىء ! نظام القائمات الكبيرة ، تستر وراء عقابها الكبرى الآفات الخطيرة .
هوذا الاقطاعي يملك الكثرة من اصوات عبيده ، فيتحكم بصغار المرشحين - كما يقول الرئيس النقاش - « يتصرف بهم على هواه فيفرضهم ثم يرفضهم ويجدد العملية كما لو كان الرجال في يديه قطع تبديل ليس الا » .
وتفتح « البازارات » على مصاريعها ، وتلقى المبالغ في كفة الميزان ، ويبرز الى الميدان « عميل الانتخاب » - هذا الذي تدرجت الاقطاعية اللبنانية بخلقه كما خلق الله آدم من تراب - فيقبض من هذا ويشتري لحساب ذاك وتنتهي عملية الانتخاب وفي النفوس تقزز وفي القلوب غل وضغينة .
ويدخل النواب المجلس فاذا نصفهم اعداء لبعض .
رؤوس الافاعي ...
يقرر الناس ان المرشح ذا المئتي الف ليرا - مثلاً - سيخرج من المجلس بعد اربع سنوات وفي جيبه عشرة ملايين .
قد لا يكون هذا صحيحاً.. قد يتساهل الناس فيفترضون ان مشتري النيابة رجل شبع من وجاهة المال فطمع في وجاهة السياسة فدفع ثمنها مما رزقه الله...
وقد يمعنون في التساهل فيقولون انه عاشق للبنان ، وصل به العشق الى درجة التنعم فبذل مليوناً ليخدم وطنه خدمة مجانية لوجه الله ... انه افتراض - ولو صح - يخفي وراءه خيراته الف شر وشر ، منها :
تعويد الناخبين على بيع اصواتهم ، واحتقارهم لحق وطني هو اقدس الحقوق في مطلق المعنى ، ونفض ايديهم من اشتراكهم في الحكم بواسطة منخوبهم والنظام الديموقراطي يجعل منهم شركاء في الحكم ، ثم انصرافهم عن المطالبة بحقوقهم لانهم قد قبضوا ثمن هذه الحقوق سلفاً ...
وهناك اقطاعية النفوذ السياسي وبين يديها كل افعال الطلب : الامر والنهي والتمني والترجي والعرض والتحضيض - وينهي النحاة رضي الله عنهم - الوعود والاغراء والتهديد !
هذا قليل من مساوىء نظامنا الانتخابي الراهن الذي نطلب الدخول في الحكم على اساسه ... تمعن الاقطاعية في ظله تخريباً منظماً ، وتسرف اسرافاً تزيد ويلاته على السرقات المنظمة .. هو نظام خاطىء لن تبدله الا :
ايدي النساء ...
١ - بتجندهن للدعوة الى مصالحة وطنية عميقة ... لان العيش اصبح مراً في وطن صغير يمزقه عنف الحزبيات وشرة التيارات ..
٢ - بقيامهن بهجوم سلمي رائع على المجلس الجديد لتعديل قانون الانتخاب القائم على نظام اللائحة الكبرى يوم تعدل المادة ٢١ المتعلقة بحقوق المرأة ، لان المرأة تريد الحرية للرجال والنساء !! ولانها ترفض باباء ان ترمى كفاءة النساء ونزاهتهن ونزعتهن الى الخير في ميزان المساومات المجرمة ، الدنيئة ، الهدامة للكرامات جميعها ! ولانها تأبى ان تدخل ندوة التشريع الا كما تدخلها المرأة في ارقى بلاد العالم .
٣ - بمطالبة الشيخ الرئيس الاول - وهو يملك كل الصلاحيات - ان يمد يداً الى عناصر الخير ، فيعين من شهد لهن بالفضل من النساء « مستشارات » في البلديات قبل ان تعدل القوانين ، ومساعدات يؤخذ برأيهن في دوائر الصحة ، والاسعاف ، والتربية ، والسجون ، والتغذية والشؤون الاجتماعية والسياحة والاصطياف ، ويؤخذ منهن محلفات في المحاكم حيث يقرر مصير المتشردين .
*
يا اخواتي وصديقاتي ، امهات وزوجات وصبايا ! اني اناديكن جميعاً . انادي اللجنة التنفيذية لحقوق المرأة وجمعيات الاتحاد والتضامن ، وجامعة نساء لبنان والنهضة النسائية والصليب الاحمر ومكتب الاتحاد العربي العام ومواكب المعلمات والراهبات والطالبات والممرضات . اناديكن الى عمل سريع حاسم في مستهل هذا الدور الجديد . لقد رأيت كما رأيت ، صفحة جميلة خطها ثلاثة رجال ... ورأيت صفحة سوداء خطتها لنا يد ذلك الارث الاسود المشؤوم !
هيا الى المناداة بمصالحة وطنية شاملة .
هيا الى خلق عقول جديدة وجيل جديد .
والله معكن .
سلمى صائغ
