كانت مباركة تلك الليلة القمراء، من ليالي الصيف الجبلية، وقد خطر ببالي ان اقوم بنزهة غير بعيدة عن منزلنا في القرية، هناك حيث تستسلم الطبيعة، منذ الغسق، بهدوئها الى الاحلام الهنيئة، داعية المخلوقات الى الاستكانة بعد يقظة نهارهم الطويل.
وكنت احس بنفسي ميلاً شديداً الى مشاركة الطبيعة باحلامها، اليس لي احلام انا ايضاً؟ لست انكر ان قد تبخر اكثرها في سلسلة من خيبات الواقع المرير، ولكن لبعض النفوس المجبولة من طينتها نفسي، شأناً عجيباً، فهي لا تتعظ بخيبات، بل تصرع فتنهض ثم تصرع لتنهض لتراها تحن دائماً الى احلام تدغدغها في بعض ساعات وحدتها، وليكن على سبيل التسلي بها، والعيش فيها، اذا ما فاتتها الحقائق.
عرجت عن الطريق العام، الى ضمة من شجر الصنوبر، كثيراً ما كنت اختلف اليها، فاجد تحت ظلالها انساً طيباً وسلاماً، وامناً موقتاً، اعبه هنيئاً، واحرص عليه، زاداً لايام اكون فيها عنه بعيدة...
وفيما انا على هذه الحالة، شعرت بحفيف ثوب حريري، وقد عبق الجو بعطر لم اذكر اني شممت مثل اريجه في حياتي. فالتفت فاذا بها غادة ساحرة تتقدم مني وتدنو الي بعطف وعلى ثغرها الجميل ابتسامة مشجعة عذبة، اقل منها ابتسامة الام لولدها، وهي تراه يتناول شهادته التخصصية. فلم اعجب من وجودها هناك،
وقد كنت اقنعت نفسي تماماً، وانا في نشوة احلامي، اني في زيارة موقتة للجنة، أو ليست الجنة مسرحاً حراً لامثالها فلم العجب؟..
على ان ما عجبت له، هو ان تقف هذه الحورية وقتها علي، وفي الجنة كثير من اشرافها ينتظرون، وما لبثت ان تذكرت ان شأن الجنة في هذا الباب غير شأن الارض، ففيها لا يراعى غير امتياز واحد، هو امتياز المعلم الصالح القائل: «من اراد ان يكون فيكم عظيماً فليكن لكم خادماً»، وغير ميثاق واحد هو ميثاق «من اتضع ارتفع». ثم انهم في الجنة لا يفرقون بين الجنس والجنس، ولا بين الزعيم والصعلوك، ولا بين الغني والفقير، وزالت دهشتي بتذكري هذه النظم المثالية السعيدة، واجبت الغادة على ابتسامتها بابتسامة مثلها، وتنحيت لافسح لها في الطريق، فاذا هي تقول:
«لا! قد وصلت محجتي، وانت غايتي» وقبل ان ابادرها بسيل من الاستفهامات سمعتها تنبئني:
«انا رسولة خير اليك، قد خولت ان انيلك ما تشتهي نفسك، فاطلبي ما شئت، ينفذ لك الساعة».
دارت الارض بي من الفرح، ولا ادري كم هي المدة التي مرت بي وانا افكر في حيرتي، ماذا اطلب؟ وألمّ خيالي حالاً بذلك الحكيم الشهير الذي قيل له القول نفسه وطلب الحكمة، ولم تمنعه الحكمة التي طلب من ان يطلع على
الاجيال باستنتاج من حكمته لا يشجع بني البشر لا كثيراً ولا قليلاً:
«باطل الاباطيل، وكل شيء باطل!»
كل شيء، نعم! حتى الحكمة! اذاً فماذا اطلب انا، ما دام الجمال والملك، والمال والحكمة كلها بنظر الازل باطل، لان وراءها النهاية المحتومة؟..
وملكت حيرتي علي نفسي، فنسيت رسولة الخير التي كانت تراقب ما يحدث في شخصي الهزيل، ثم فكرت لو اكون اكثر حكمة من الحكيم، فاطلب ان يبعد عني هذا الموت الذي يسبب «باطل الاباطيل وكل شيء باطل». ولكن ما عتمت ان قلت: وماذا ينفع ان ابقى انا في الحياة ويذهب الذين احبهم، وهل يلد لي هذا البقاء في اجيال مقبلة بعيدة عني وعن جيلي وعن تذكاري، حتى غير السعيد منها، هو علي عزيز. لا! فالخلود ايضاً ليس بطلب حكيم.. اذاً ماذا اطلب؟..
ومرت الدقائق سراعاً، فالوقت لا يغير شرعة اشترعها لنفسه منذ الازل، واسطورة ايقافه ليست لزماننا!.. فاذا برسولة الخير تذكرني انها بانتظاري، وان الوقت الذي اذن لها فيه على وشك الانتهاء، فعلي ان اختار امنية في الحال.
وفجأة خطر ببالي خاطر سعيد: ما دام اي شيء طلبته لنفسي سيزول يوماً بزوالي المحتم، فلو اغتنمت الفرصة لاطلب لتلك التي لا تزول بزوال الاشخاص، ولا تفنى بفناء الافراد، بل تبقى ما بقيت جبال وسهول وانهار، تبقى ما بقيت سماؤها الصافية الازلية، تبقى ما بقيت هذه الشمس ترسل باشعتها الدافئة على ارضها فتنبعث الحياة فيها، وتتجدد المخلوقات، وبكلمة واحدة تبقى على مر الدهور. نعم لو طلبت لتلك التي احببتها كما احببت نفسي منذ يوم عرفت نفسي، وكنت
