ان المحن توهن القوى الضعيفة وتشحذ النفوس القوية بارزة اياها من مكانها. هذه المحن نشلت الست نسب التنوخية من خدرها وقذفت بها الى ميدان العمل.
فتك العثمانيون بالامير قرقماز امير لبنان سنة ١٥٨٤ وسعوا وراء ابنيه فخر الدين ويونس لاستئصال شأفة اسرته والقضاء على كل امل للبنان بالمقاومة والاستقلال. فهبت الارملة الحسناء الست نسب وانتزعت شبليها من براثن العثمانيين واخفتها عن اعينهم محتفظة بها ذخراً للبنان ووديعة يسهر عليها آل الخازن ثم اخوها الامير التنوخي امير الغرب.
حنان وحكمة ورباطة جأش، صفات تمتاز بها نفس الست نسب فتحلها في قلب ابنها فخر الدين مكانة كبيرة ويعود اليها ذلك الامير العظيم في معاضل الحكم مستنيراً بآرائها فتكون له خير المشير. تقوده اراء امه في سبيل النصر فينشىء
فخر الدين امارة واسعة قوية الاركان تمتد من نهر ابراهيم الى بلاد صفد في فلسطين وجبال عجلون شرق الاردن.
رأى العثمانيون تلك الامارة تتوسع وتشتد وشعروا باتصال فخر الدين بالدول الاجنبية لتأليف حلف عليهم، فجردوا على لبنان جيوشهم الزاحفة من ضفاف دجلة وشواطئ البحر الاسود والبوسفور، وتألبت على فخر الدين قوى اربعة عشر بكلربكياً وخمسين سنجقاً تعضدها من البحر الاساطيل العثمانية. ضاق الخناق على لبنان وقلاعه ورجاله الاشاوس فلم يجد فخر الدين بدّاً سنة ١٦١٣ من الاتجاه الى الغرب ليحض دوله على الاسراع بالتكتل وعلى مهاجمة الدولة العثمانية. وقد عهد فخر الدين بلبنان الى امه نسب والى اخيه يونس.
وبقيت الست نسب روح المقاومة والنضال نحو السنتين. واستبسل اللبنانيون
في الدفاع وفدوا اراضيهم بدمائهم مثبتين امانتهم لامرائهم وتعلقهم الشديد باستقلالهم لكن أني لهم ان يقفوا في وجه الجيش الزاخر الذي جرده العثمانيون عليهم والذي انضم اليه عدد من امراء لبنان الاقطاعيين واهمهم ابن سيفا؟ وقد عاث الاعداء في الارض فساداً واضرموا النيران في قرى الشوف ودمروا امساكنه وداسوا مزروعاته واقتلعوا اشجاره. في تلك المحنة اتجهت الانظار الى الست نسب وناداها القوم فلبت النداء بحزمها المعروف وروح التضحية التي اشتهرت بها، وكانت قد بلغت نحو الستين من عمرها. فقصدت والدة الامير من بانياس الى معسكر الباشا وأنبته بجرأة على تعمده هلاك رعايا السلطان وخراب البلاد التي تؤدي له الجزية. بهذه الجرأة وهذا الاقدام قابلت الاميرة الكبيرة النفس ذاك الباشا الطاغية، ورغماً عن انتصاره الساحق لم تأت اليه صاغرة ذليلة بل جابهته بالنفس الابية التي عرف بها دروز لبنان وامراؤهم. وقد اتجهت الاميرة الى معسكر الباشا مصحوبة بثلاثين شيخاً من العقال وبهبات ثمينة للباشا منها اربعة رؤوس خيل اصائل وخمسة وعشرون الف غرش. فتم الاتفاق على ان يترك الباشا حكم الشوف للامير يونس لقاء دفع ثلاثماية الف غرش نصفها يؤدى حالا


