والنصف الاخر يترك للسنة التالية، وابقى الباشا ام الامير رهينة، فردت الست نسب عن لبنان اذى العثمانيين مضحية بنفسها فداء لقومها ولبلادها .
واحتفظ الباشا بتلك الرهينة الثمينة رغم دفع لبنان ما ترتب عليه . فبيّن يونس لرجاله خطأهم عندما وثقوا بقول الباشا وقدموا له الرهائن . وعاد اللبنانيون بعد معركة الباروك الى النضال والكفاح والست نسب تذوق مع العقال مرارة الاسر .
لكن عدل الله يخيم على كل شيء وتدور الدوائر على الباغي . انقلب عطف السلطان على اعداء فخر الدين من صدر اعظم وسردار، فحل احد اصدقاء فخر الدين محمد جركس باشا مكان الطاغية احمد باشا الحافظ وفك عقال الاسيرة فاسرعت الست نسب تسعى لعودة ابنها واستدعته لتقرّ به عينها قبل وفاتها . وكتبت اليه وهو في نابولي سنة ١٦١٨ « كنت محبوسة في دمشق ولما اطلقني واليها رجعت الى الوطن فلم اجدك . وقد اصبحت كبيرة السن فتعال الي لاراك قبل الموت » .
بهذا النداء المملوء بالحنان الامومي نادت الست نسب ابنها فهرول فخر الدين يقول لدوق نابولي « انت اخبر بعزة الولد لوالدته . وقد اقسمت علي بتربيتها فلم يعد بامكاني التريث » .
هذه بعض شذرات من حياة الست نسب التي كان يلجأ فخر الدين اليها في كل امر خطير مستلهماً مشورتها، وهي كما يقول عنها الايطالي سانتي في تقريره « اكثر مكانة لديه في ايام السلم واحتراماً . ينزلها الشعب منزلة الانبياء» وتعرف لديه
بالست الكبيرة . وحقا كانت الست نسب كبيرة بجنانها، كبيرة برجاحة عقلها وحكمتها، كبيرة برباطة جأشها واقدامها
عند النوائب . هي اللبنانية العصماء ، هي الام ام فخر الدين لا بل ام لبنان الذي بنته بنصائحها الرشيدة وروحها الوثابة .

