واختتم بذكر سيدة ما زالت حية، وقد عاشت في سجن عاهاتها الجسدية إذ فقدت وهي طفلة السمع والبصر والنطق. ونراها رغم هذه العاهات تجوب اقطار المسكونة وتعمل على تخفيف آلام البشرية وانقاذ ذلك القسم من الانسانية المحطمة عن طريق شهادتها وخدمتها. هذه السيدة هي هلن كلر الاميركية صاحبة القلب الكبير. وستسجل الايام اسمها كبطلة مجاهدة رغم عاهاتها ونقائصها الجسدية، وستظل هلن كلر مثالاً يقتدى بها في عصور خور العزيمة وذيوع اليأس والقنوط.
واننا لنعجب من مخلوقات بشرية تقل مقاومتها للشدة عن بعض الاسماك والاصداف. فهناك بعض الاسماك التي تقطع المسافات الشاسعة مقاومة التيارات العنيفة لتضع بيوضها في الانهار فتضمن البقاء لصغارها من ضواري البحر. وهناك نوع من الصدف اذا ازعجته ذرات الرمل او فقاقيع الهواء نشطت بعض الغدد فيها فتحيط من افرازاتها الجسم بلؤلؤة ثمينة. افليس في مقدور الانسان المتين الاخلاق ان ينثر اللآلىء من قوى عزمه واصطباره امام الشدائد ووسط المصائب؟
وها هي صورة الرسام فردرك وط عن «الامل» تذكرنا بما نستطيع ان نعمله. فالفتاة في تلك الصورة الخالدة تجلس فوق الكرة الارضية وهي معصوبة العينين تعزف على قيثارة مقطعة الاوتار باستثناء وتر واحد لم ينقطع. لكنها بالرغم من ذلك ظلت وكلها امل توقع عليه باصابعها النحيلة لتخرج من الوتر الباقي بعض الالحان والانغام. وهكذا فالانسان المؤمن بالروح التي لا تقهر يخلق من اجاج الحياة عذوبة، ومن عسرها يسرا. وما اروع ان نرى نساءنا في هذه الديار يعشن بروح لن تقهر، وما احلى ان نراهن يتغلبن على كل شدة ويذللن كل صعوبة!

