زيارة الى المحجر الصحي

لقد تسنى لي بفضل تخرجي من «المدرسة اللبنانية للتدريب الاجتماعي» وعملي في «اتحاد حماية الاحداث في لبنان»، ان اقوم بزيارات عدة للمحجر الصحي الذي يصادر ويوضع فيه المتشردون والمتسولون، ووقفت على الكثير من حالاتهم المؤسفة وخاصة على حالة القصر منهم، فطاب لي ان اعرض صفحة من صفحات حياتهم واستعرض بعض التدابير المتخذة بحقهم بما ستطالعون في هذه الوجوه الكثيفة التي قسا عليها القدر:
هذا هو يوسف: وعمره ١٣ عاماً، خجول حزين كالغريب بين اترابه. ماتت والدته فور ولادته. له اخ كبير ترعرع ولم يرعه او يراقبه احد، فاصبح متشرداً ثم مجرماً، وتأصلت به روح الاجرام فاصبح خطراً على المجتمع وهو الآن في السجن.
كان يوسف يذهب الى المدرسة وكان تلميذاً مجتهداً. اخرجه والده من المدرسة ليشتغل معه في دكانه. وكان هذا الوالد عصي المزاج يسيء معاملة ولده يوسف فاضطره للتشرد مع المحرض له اخيه الاكبر.
امسى يوسف عرضة للمعاشرة الرديئة وهذه هي المرة الثالثة التي يعاد فيها الى الحجر.
اهتممنا به فاستأنس بنا واظهر لنا ميله الشديدة الى دخول المدرسة ونحن نجد باحثين عن مدرسة تقبله.
وهذا هو كميل: عمره ١٤ عاماً، ثرثار غير مستقر، فرح دائماً، بشوش الوجه عاري الصدر صيفاً وشتاء.
وجد كميل في صباح احد الايام نائماً عند باب احدى السيدات فاشفقت عليه عندما اخبرها انه يتيم الام قد هجر المنزل هرباً من سوط والده الذي يجهل عنوانه.
اعلمت السيدة «اتحاد حماية الاحداث» فبادر لايجاد ملجأ له فحظي بمكان عند راهبات المحبة، ووضع في احد افرات الدير الى ان تنتهي المندوبة من التحقيق والتفتيش عن منزل الوالد.
اما والدة كميل وهي حية ترزق فكانت تفتش عنه في كل مكان ملتجئة الى اتحاد حماية الاحداث. فلما شعر كميل ان امره قد فضح هرب ثانية ولم يعثر عليه في بادي الامر؛ وكم كانت دهشتنا عظيمة عندما وجدناه صدفة في الحجر سعيداً كالامير بين اترابه المتشردين، وقد صرح لنا مفتخراً انه قد سلم نفسه للشرطة كي يبقى برفقة سميرة التي سأتي على ذكرها!
وها هو سعيد: صبي من الجبل عمره ١١ عاماً، حركة دائمة، مملوء حياة وذكاء، يقفز على قدم واحدة لأن ساقه الثانية قد حطمت بحجر كبير بينما كانت ذات يوم يتسلق حائطاً ليشاهد مشاجرة.
ترك سعيد الجبل ليلحق بسميرة ويبقى بقربها. وفي احدى الامسيات بينما كانت سميرة تدخل احدى الصناديق الحشبية قرب الميناء لتنام كما كان يفعل
كل افراد زمرتها، قبض عليها احد رجال الشرطة وساقها الى الحجر فسلم سعيد نفسه ليبقى بقربها.
وقد قال لنا سعيد محدثاً: «سميرة تحيي كثيراً وهي رقيقة القلب، حنونة، رؤوفة، كنت يوماً نائماً فظننت اني يردان فانتزعت سترتها لتغطيني. هي لا تأكل شيئاً قبل ان تقاسيني اياه. وأنا ايضاً احبها واعزها كثيراً واعاملها بالمثل.»
اليكم الآن سميرة: صغيرة القد عمرها ١٠ سنوات. هبطت بيروت من الجبل برفقة اخيها عبد البالغ من العمر ١٦ سنة وهو من المدمنين على تدخين الحشيش، فاخذت سميرة تبيع العلكة في ساحة الشهداء فيطاير مكسبها الضئيل دخان حشيش لأخيها.
هي نشيطة، رقيقة، خدومة، واعية على صغرها، فامست محاطة بجاشية من المتشردين القصر.
عندما القي القبض عليها وسيقت الى الحجر استسلم كل افراد زمرتها للبقاء بقربها.
نخيفة هي سميرة، وهيفاء، يقظة، متدثرة بثوب طويل من الحرير الاسود: فاصبحت صورة مصغرة للمرأة الكاملة. وقد اقلقت مراقبة سميرة وحاشيتها من المعجبين بها الحراس فخافوا العاقبة واطلقوا سراحها هرباً من المسؤولية.
هي اليوم تجوب الشوارع فريسة سهلة لشباك المستغلين.
قد يضيق بي المقام ان اردت اكمال شرح احوال جميع من شاهدت في الحجر. وقد يتسنى لمن اراد الوقوف على احوال البعض منهم ان ينظر الى امثالهم بين بائعي العلكة والجرائد واوراق اليانصيب
