والحالين الذين هم معهم مثال للطفولة المهملة والذين هم صوت صارخ في المجتمع .
اذا نظرنا الى هؤلاء الاطفال بنظار العقل وجدنا انهم على شفير هاوية الاجرام وان من واجبنا الانساني والاجتماعي ان نمد اليهم يد المساعدة وان نبادر الى اصلاح من يسقط منهم ليكون عضواً نافعاً لا عالة على المجتمع .
اما القانون فيعتبر التسول والتشرد من الجرائم المعاقب عليها .
ففي سنة ١٨٩٧ حرّم الشارع التركي التسول على من يقدر على العمل وكان يعاقب المخالف بالتشغيل والحبس .
وفي سنة ١٩٠٩ حرّم التشرد قانونياً باعتبار ان من لا يعمل عملاً مع قدرته على العمل ويتخذ التسول مهنة له يعتبر متشرداً .
كما انه يعاقب قانوناً اولياء واوصياء القاصر او من يحثه على التشرد والتسول لمنفعته الخاصة .
ثم ايد الانتداب الافرنسي هذه التدابير المتخذة بحق المتسولين والمتشردين واضعاً بعض التعديلات ولا سيما تشديد العقوبة على الذين يحثون او يستغلون الاحداث .
وفي سنة ١٩٤٤ وضع قانون العقوبات اللبناني ونص على معاقبة المتسولين والمتشردين كما انه نص على معاقبة الولي والوصي أو من يحث قاصراً على التسول ، ومعتبراً ان كل قاصر دون الثامنة عشرة من العمر يترك منزل والديه او وصيه او من يوكل اليهم امره مدة اسبوع دون عذر شرعي وتشرد دون عمل يصبح مستوجباً تدابير الاصلاح .
وبالرغم من جميع هذه التدابير الحكيمة فما زال المتسولون والمتشردون يلأون الشوارع والارصفة بشعورهم
الشعثة وثيابهم الممزقة يتسربون بخفة ورشاقة فيصعب اللحاق بهم . وكانوا عند القاء القبض عليهم يساقون الى مستودع خاص قريب من السجون فيعاملون معاملة السجناء دون عمل يعملونه .
ففي سنة ١٩٤٣ اقلقت حالة هؤلاء البؤساء وزير الصحة يومئذ المغفور له حكمت بك جنبلاط فعهد الى الاب يعقوب الكبوشي مؤسس رهبانية دير الصليب امر الاهتمام بهم واضعاً تحت تصرفه بناية البشباش مقابل ١٠٠ قرش كل يوم كلفة عن كل شخص ثم زيدت هذه الكلفة لغاية ١٥٠ قرشاً .
وفي سنة ١٩٤٨ - ١٩٤٩ بمناسبة انعقاد مؤتمر الاونسكو في بيروت طلبت وزارة الصحة من الأب يعقوب البحث عن بناية تتسع لمئة شخص متعهدة له بدفع ٢٢٥ قرشاً في اليوم كلفة كل شخص .
استأجر الأب يعقوب بناية دوماني وبرعايته وعناية راهبات الصليب تبدلت الحالة واصبح كل البؤساء عند وصولهم الى المأوى المعد لهم يرسلون الى الحمام ثم تبدل ثيابهم القذرة الممزقة بثياب نظيفة . وهكذا كان بامكان الزائر التجول في غرف النوم وهو في مأمن من البعوض والحشرات . وقد نظمت بعض الاعمال لكل حسب مؤهلاته ومقدرته .
وفي ابتداء عام ١٩٥٠ اعفي الاب يعقوب من هذه المهمة لزعمهم انها تكلف الخزينة كثيراً وعهد بها الى بلدية بيروت فخصصت هذه لهم ثلاثة مساكن من الامكنة المعدة للحجاج بحيث اعد المسكن الواحد للرجال والصبيان والثاني للنساء والبنات واما الثالث ، فقد افاد احد الحراس انه « خصص للمتشردين الحسني الهندام . »
وقد دعي هذا المأوى بالمحجر الصحي !
اما كيفية التقاط المتسولين والمتشردين وحالتهم الحاضرة فاليكم صورة مصغرة عنها :
نفران من شرطة البلدية بقومان بجولة في سيارة خاصة في شوارع المدينة فيلتقطان كل من يصادفان من متسولين وغير متسولين مستدلين عليهم من ثيابهم الرثة فيقبضان عليه ويزجانه في سيارتها ، واكثر البؤساء عرضة لهذه « المصادرة » فمن كان منهم ماراً في ساحة الشهداء ام في محلة باب ادريس فانه لا يرحم لانه يعرض سمعة المدينة للامتهان تجاه الشخصيات الكبيرة اجنبية كانت ام وطنية .
واني لا انسى ما حبيت الألم الذي انتابني عندما سرت الى هذا المحجر للمرة الاولى : في يوم مطر والبرد فارس والاوحال تملأ الطريق المؤدية الى مسكنهم ، وصلنا الى حجرة كبيرة واسعة قذرة لا زجاج لنوافذها ، كان البعوض يسرح فيها ويمرح رغم الكاز المراق فيها . وقد شاهدت الاثنين والثلاثة من المتسولين كباراً وصغاراً يظلهم غطاء واحد بال وهم يرتجفون من البرد .
عشرون رجلاً بين العشرين والثمانين ،

