

الادب الرفيع غذاء للنفوس، لا بد لها من التزود منه لتملأ فراغاً يحدث في كيانها. ولتخفيف وطأة هذا الفراغ، أرانا جميعاً، سواء كنا عاملات في الحقل الادبي ام مشغولات عنه بمتاعب الحياة البيتية، نجد لذة في العودة بين الفترة والاخرى الى التذوق منه، فهو ادبنا، ولا يلام المرء اذا وجد في النظر في ادب امته لذة، ولا يلام اذا اتخذ منه غذاء لنفسه التواقة الى شيء ليملأ فراغاً فيها لن يسد على مضي الايام الا بنفحات منه.
ولأدبنا الرفيع نواح متعددة، كلها جذاب، وكلها ممتع، وكلها ترتاح اليه النفس. ولكن هناك ثمة ناحية منسية نوعاً ما، عثرت عليها خلال التنقيب، فوجدت فيها لذة لا مثيل لها. ولا اشك في أنكم ستشاطرونني لذتي هذه، اذ أعرض عليكم نماذج مما تيسر لي الوقوف عليه منها، وما هذه النماذج سوى صور مصغرة لفن من فنون الشعر تفرد به شعراء العرب وشاعراتهم دون غيرهم، وهو فن الاجازة في الشعر.
ان الاجازة في الشعر فن من اجمل فنون علم البديع، واكثرها انتشاراً في وقت غالى في صوغها الامراء والشعراء وعدوها وسيلة لشحذ القرائح واظهار المواهب، فكان الشاعر ينشد مصراع بيت من الشعر ويسأل شاعراً غيره ان يتم لفوره ذلك البيت، أو كان الشاعر كذلك ينشد بيتاً فيطلب من غيره اجازته بابيات تكون مناسبة له في المعنى والمبنى. وفي هذا الضرب من المطارحة الشعرية، تظهر قدرة الشاعر ونبوغه وتيقظه وسرعة بديهته في النظم، وجمعه الكثير من المعاني في القليل من الالفاظ، فلا حوليات هنا ينظمها الشاعر ويقضي حولاً كاملاً في تهذيب عباراتها وحذف المخل بجمالها من سخيف اللفظ ونابي القافية، ولا ابراجاً عاجية، يلجها الشعراء هرباً من عالمهم العادي لينفردوا بها ويتفردوا للنظم... لا، لا حوليات، هنا ولا ابراجاً عاجية، انما كل ما في الامر، ذهن متوقد، وبديهة حاضرة، تغذيها سلامة في الذوق ومقدرة شعرية خصبة.
جلس المعتمد بن عباد مرة في مكان ما، حيث رأى غديراً ينساب ماؤه برقة فيحدث تجعدات على صفحة الماء، فاهاج المنظر قريحته فقال: نسج الريح على الماء زَرَد... ثم التفت الى جليسه بن عمار وقال أجز، فأطال جليسه الفكرة، الامر الذي شجع جارية المعتمد المعروفة بالرميكية على ان تجيز قائلة: يا له درعاً منيعاً لو جَمُد... فتعجب المعتمد من حسن ما اتت به هذه الجارية فارتفعت في ناظريه الى حد بعيد.
وما حدث للرميكية حدث لجارية اخرى اسمها العبّادية، وقد كانت هذه اديبة ظريفة وكاتبة شاعرة. رآها المعتمد يوماً نائمة فقال:
فأجابته قائلة:
فجمعت باجازتها لقوله ذكاء وحسن بديهة منقطعي النظير.
هذا المثالان يوضحان ما اردت الاشارة اليه من الاجازة الموجزة. ولكن هناك اجازة اكثر تعقداً من هذه، وهي اجازة ابيات شعرية بابيات اخرى. ومن طريف ما روي عن ذلك ان السيد ابا العباس الشريف رافق القاضي ابا البركات في بعض اسفاره في الاندلس، فلما انتهيا الى قرية ادركهما النصب واشتد عليهما الهجير، فنزلا واكلا باكر القين، واستلقى ابو البركات تحت شجرة مستظلاً بظلها، ثم التفت الى السيد ابي العباس وقال:
وأرتج عليه، فقال لابي العباس أجز يا هذا - فقال بديهة:
دعها تسر في الفيافي والقفار الى أن تبلغ السؤل او موتاً بتجوال
الموت أهون من عيش لدى زمن يُعلي اللئيم ويُدني الاشرف العالي
من يُمعن النظر في هذه الاجازة الشعرية يرَ ان ابا البركات بطلبه من ابي العباس اجازة البيت الشعري الذي ارتجله قد قيده بعدة قيود، منها الوزن والقافية ومراعاة مقتضى الحال، وهذه جميعها لا يستطيع احكام شروطها والتقيد بها في شعر يُحجل الا من جاد عليه المولى بسرعة البديهة ودقة الشعور.
ومن طريف ما يروى عن امثال هذه الاجازات الرائعة، الاجازة التالية وهي التي رُويت عن الامام القاضي ابي بكر بن العربي قاضي أشبيلية، اذ قال - دخل عليَّ اديب وبين يديَّ نار علاها رماد، فقلت له - قل في هذه فقال:
