اهازيج وذكريات
يوم قال لنا العلم ان الاصوات لا تموت ، وانها باقية حولنا وراء هذه الابعاد الممعنة بعداً ، وان عجزنا عن التقاط الموجات السابحة عليها لا يشكل نفياً علمياً لوجودها - آنذاك ، راح العقل - في مثل الغيبوبة - يتخيل لو يعطى المرء ان يسمع بأذنيه زعيق جدّه الاول انسان الغاب ، يوم كان يقدّ الصوان بالصوان فنجحت المعاول ثم يهاجم الموت فيفسخ اشداق الاسود ؛ ويوم كان يبني بيته فوق غليظ الاغصان ، فتهتاج الاعاصير وتتفتح قرب السماء ، فاذا ما عاد عند العشايا وقف يجأر حيال هزيم السيول المندفعة مولولة نحو البحر وعليها حطام بيته واشلاء وُلده !
ويوم صرع الطبيعة فاطلع القمح واشعل النار وعصر الزيت ونسج الاصواف وابتنى المراكب وراح يتاجر فيثري فيعود فتستقبله زغردات الحسان وحداء الشيوخ .
ويوم طُمع فيه ، فتعوّد الناس - كل الناس - ان ينقضوا عليه ، فاندفعت ندوات الحروب الدورية ، تتجاوب وصهيل الخيول وصليل الدروع وقعقعة الحديد وطقطقة البيوت المتهدمة ، وارتفع عزيف مدائن عظمى ، عرق بناتها دماً ، فاشفقوا على جهود الجدود فحاسنوا الفاتح ، فلان ثم استأسد ، ثم انقض سفاحاً عاتياً يذبح ويهدم ويضرم النيران .
ويوم ديدون ، يوم راح صوتها يدوي فوق صخب الامواج فيشق الظلمات ويهدر ويبرق كالرعود وكالبروق ويقع على قلوب الرجال كما تسقط السياط على ظهور الركائب فتجمح كان الجن في قوائمها ، ويظل صوت ديدون الف سنة يزأر فوق اسوار قرطاجة :
من فاته النصر فليمت في مكانه !
وايام صيدون العظيمة ، يوم ارسلت الاعلام البيض فذبح حاملوها ، وعادت ترسل الرهائن فقطعت لحمائهم ، فثار الرجال والنساء وجمعوا ثرواتهم اكواماً وتلالا ، ثم اطلقت حناجرهم اصوات الرعب والهول وحملوا اطفالهم واندفعوا نحو النيران فشوت اجسادهم ، وطلع الفجر ... فخمدت النيران وتلاشى
الدخان واذا بين الرماد اربعون الف جمجمة وشوشت في آذان غزاة الفرس همسات انخلعت لها قلوبهم فانهارت بعدها امجاد فارس .
وهكذا ... وهكذا ... اهازيج وزغردات وحدات ، اهازيج انتصار وانكسار وولولة وزغردة، اتراها - حقاً - ما تزال وراء هذه النجوم ؟؟؟ أيديرُ احفادنا في مستقبل الايام زراً صغيراً فيسمعون احداث التاريخ من فم الذين كتبوه بدمائهم وبجلودهم ؟
وثمة صوت ... ارسلته روح علوية ليست جسداً واطلت من عينين ذائبتين حلاوة تحت جبين نوراني توجته خصل الشعر المفضّض ... ثمة صوت اتمنى لو اسمعه باذني كما اسمعه بقلبي كل مرة اشعر بثقل رحى الايام فوق ضلوعي .
هو صوت ما يبرح يقول هكذا :
« وصية جديدة انا اعطيكم ! ان تحبّوا ! أحبّوا ! أحبّوا كما احببتُ ...»
وراحت ذكرياتي تكرّ ، ورحت استعيد ما رافق حياتي من اصوات في مواكب الموت والحياة .. في مآتم البطاركة والعظماء ، والفقراء والاغنياء ، وفي مآتم ابي وامي وطفلي واخوتي ... في الحفلات يوم كان الادب الناشيء يكبّر ويهلل لبيت جميل من الشعر يتضمن غمزة لمعنى من معاني الحرية ، وفي ساعات الاهوال والفتن العصبية .
ورحت اسمع الاصوات القديمة ، يوم بدأت النهاية ، فاعيدت الحياة الدستورية الى اجزاء امبراطورية بني عثمان فجنّ الشباب البيروتي ، وحل الصفاء بين الطوائف المفترقة ، واقيمت المهرجانات في احياء المسلمين والنصارى وأطلقت الاسهم وانيرت المنازل وانطلقت الحناجر ، بهذه الردّة ذات المغزى البسيط البليغ .. لان الناس قبلُ ، كانوا يعيشون في معسكرين وكان اكثرهم ما ينظرون الى السِوى الا شزراً والا ازوراراً !
