من أهم ميزات التربية الحديثة اهتمامها بالسن القبل المدرسية. وحتى الماضي القريب كانت حاصرة جهدها في السن المدرسية، مغفلة أول خمس سنوات من حياة الفرد، وبإهمالها أهم مراحل الحياة سجلت على نفسها أخطاء جسيمة تبين عمال التربية مدى تأثيرها في شخصية البالغين.
ومن أهم مظاهر النشاط الذي تبديه التربية الحديثة لملافاة هذه الأخطاء، انتشار دور الحضانة، ورياض الأطفال، واعتبار هذه الوحدة جزءاً أساسياً في كيان المؤسسة التربوية.
ورافق اهتمام المشغلين لتوجيه العقل وتهذيبه في هذه المرحلة الحساسة، اهتمام عظيم من قبل المشغلين في الحقل الصحي، وبعد اختبارات طويلة، رأى عمال التربية والصحة معاً، أن الرعاية الجسدية يجب أن ترافق الرعاية العقلية حتى تتوفر للولد في السن القبل المدرسية شروط النمو المكتمل، والنشوء الصحيح. وأصبح دور الممرضة والطبيب في رياض الأطفال دوراً أساسياً لا يقل بأهميته عن دور المربية.
فما هي المسؤوليات التي تترتب على الطبيب القائم بأعمال الرعاية الصحية في رياض الأطفال؟ وما هي شروط العناية المثلى التي بإمكان المدرسة أن تؤديها نحو الولد في السن القبل المدرسية؟
إن المجهود العلمي قد بيّن لنا أن قوى المناعة في الفرد تتأثر بعوامل كثيرة منها العمر، والغذاء، ودرجة الحرارة، وتعرض الفرد تعرضاً مباشراً لمصدر العدوى. وإذا درسنا نقط الارتفاع
والهبوط في خط المناعة، وجدنا أرفعها في أول ستة أشهر من الحياة، ومن ثم يأخذ المرتفع بالهبوط حتى السن القبل المدرسية. ومن المعروف أن قوى المناعة في هذه المرحلة تتأثر بعمليات النمو السريع التي يجتازها الولد، كما أنها تتأثر بارتفاع في نسبة تعرضه لمصادر العدوى كلما اتسع أفق اتصاله باتساع البيئة التي يعيش فيها. وبانتقاله من جو البيت إلى المدرسة تتبدل حلقة اتصاله من حيث النوع والكمية تبدلاً سريعاً، يحدث في نفسه وجسده تأثيرات بليغة تضطره إلى تكييف جديد، وتحمل المهتمين بأمره على التذرع بشتى وسائل العناية والمقاومة ليقوى الولد على شق طريقه، والسير في نهج النمو المضطرد.
لذا والحالة هذه فإن شروط الرعاية الصحية الحديثة تأمر بكشف طبي سنوي، غايته اكتشاف العلة أو العاهة والسعي لاستئصالها في البداية. كما تأمر بمراقبة يومية لاكتشاف مظاهر العدوى بين الأطفال، وأهمها مظاهر الأمراض الجلدية، والأمراض السارية نظير الجدري، والحصبة، والسعال الديكي، والخانوق وغيرها، والسعي لأبعاد المصابين منهم عن الأصحاء، للحد من انتشار العدوى.
وفي اتجاهها الإيجابي فإن خطة الرعاية الصحية المعدة للاهتمام بأمر رياض الأطفال تذهب خطوة أبعد إذ تأمر بالوقاية عن طريق التلقيح، وتنصح القيام بأعمال هذه الوقاية بشكل مضطرد منظم، ودون أن تنتظر حلول وباء معين. كما أن الإيجابية تحملها على القيام بأعمال صحية
تبشيرية في البيت منها ما يتم بواسطة الاتصال الشخصي إذ تقوم الممرضة المسؤولة بزيارة منزلية عند الحاجة قصدها التداول مع الأم في نواحي الضعف الصحي في ذات الولد، ودرس وسائل وإمكانيات التعاون بين البيت وروضة الأطفال لتقوى بواسطتها المؤسستان معاً على خلق جو ملائم، يسهل أمام الولد مجال التغلب عليها. أو بواسطة جمع الأمهات في أوقات معينة من السنة المدرسية لبحث مواطن الضعف الصحي في أولادهن وإرشادهن إلى طرق العناية الصحيحة. وقد يخطر لنا أن هذه المحاولة صعبة التحقيق، غير أن الاختيار الذي قامت به روضة الأطفال النموذجية التي أنشأتها جامعة نساء لبنان في بيروت جاء بنتائج طيبة للغاية. وقد أخذت هذه الروضة منذ نشأتها بدعوة الأمهات على الأقل مرة في كل عام لحضور اجتماعات يرأسها طبيب المدرسة، ويتولى في خلالها إثارة نقاط صحية هامة نظير العناية بالأسنان، وطرق مقاومة الرشح والأمراض الصدرية، ومعالجة الرجل المنبسطة، وملافاة ضعف الحواس، وأهمها حاستا السمع والبصر، وفسح المجال للإجابة على الأسئلة التي توجهها الأمهات.
إن هذه الروضة النموذجية باتباعها مثل هذا النهج الإيجابي في حقل الرعاية الصحية، تشق طريقاً جديداً لأنفسها وطلابها فحسب، بل للمجتمع بشكله الأوسع الأعم. فهي إذ تقوم بتحقيق رسالتها التربوية، تسعى عن طريق التعاون الصحيح لسد الفراغ الشاغر بين البيت والمدرسة، وتتخذ من الأم واسطة لتدخل إلى جو العائلة مبادئ، وأصول الرعاية الصحية الحديثة، وطرق تطبيقها بشكل علمي بسيط.
إني إذ أذكر نهجاً تتبعه روضة أطفال جامعة نساء لبنان النموذجية، ما عنيت
