ابنه بنعم العطاء، وهذا الظمأ هو الذي يدفعه إلى الزواج.
وتتفهم المرأة بالغريزة مبعث بكاء الطفل مثلاً، أكثر ما يتفهم الرجل، فتسرع إليه ملبية نداءه دونما تمهل أو تساؤل، بينما يقف الرجل مستفسراً مستوضحاً مفكراً.
هذا لأن المرأة خلقت لتلبي الرغبات وتعنى بوجود الكائنات الحية التي تحيط بها، وتمنح السعادة أولادها، زوجها، أمها، أحفادها، الذين تحبهم، ولكل منهم شخصية خاصة، ورغبات متفاوتة، مما يجعلها بالفطنة الغريزية تدرك مكامن الروح في كل واحد منهم، وتفهم مطالبهم المتعددة المتباينة الأهداف.
هذه هي الأم المدركة معنى الأمومة، والمقدرة المسؤولية العظمى الملقاة على عاتقها، ولكن أليس هنالك أمهات جاهلات يجررن على الطفل آثاماً لا يغتفرها لهن المجتمع؟
من النساء من يستنكفن بدواعي المحافظة على جمالهن عن إرضاع أطفالهن من أثدائهن خوفاً من الترهل الذي قد يشوه ذلك الجمال، معبودهن الأعظم، فيحرمن الطفل نعمة الرضاعة، فينشأ الصغير، وقد جف فيه معين كل شعور إنساني ينبع من صدر الأم المتحجر التي قست، وظلمت، فصفعت قلبه بعواصف الحرمان، هذه العواصف التي كثيراً ما تترك في قرارة نفسيته وأعماق روحه جروحاً وآلاماً.
نرى أن معظم الأطفال الضامري الأجساد، الهزيلي الأعضاء هم ضحايا الحرمان من الغذاء الضروري الذي
يحمله لبن الأم. قال النبي: «لا تحرم المصة ولا المصتان ولا الرضعة ولا الرضعتان» (حديث).
وأثبت العلماء أن مصة الطفل الناعمة تمرن عضل الثدي فتقويه وتنميه وتزيد في جمال الأم ومناعتها، كما أثبتوا أيضاً من الوجهة الطبية أن لبن الأم ضروري حيوي في تغذية الطفل لما يتوفر فيه من الكميات الغذائية الوافرة التي لا توجد في الحليب المجفف.
وأما من الوجهة السيكولوجية فلا يختلف اثنان في أن الطفل الذي
أشبعته أمه من لبنها تتفاعل نفسيته بشتى العوامل الإنسانية المنبعثة من صدر المحبة والعطف اللذين يشعر بها الطفل في تلك الضمة إلى صدرها، ينعم بدفئه متربعاً فيه ينهل من ينابيعه الخيرات التي تستكمل فيها قواه.
وما تلك الضمة سوى الأمل الذي تصبو إليه نفس الفتاة، منذ حداثتها عندما تضم لعبتها إلى صدرها ضمة تدفعها إليها غريزتها وطهارتها؛ فهل يجوز لها أن تحرم فيما بعد لعبتها الحية، غرائز الحنان، ودوافع الشفقة، وميزات المحبة والعطف ومزايا الإنسانية الزاخرة؟

