وصلت لبنان مؤخرا الدكتورة سيران SOREN الاختصاصية بعلم النفس وبشؤون الاحداث. وقد انتدبتها هيئة الامم المتحدة لتتجول في شتى البلدان وتحاضر في موضوع اختصاصها.وقد قامت بجولة في الشرق العربي حتى العراق وايران. والقت في جامعة القديس يوسف محاضرة قيمة باللغة الفرنسية، شئنا ان نعرضها على قارئات هذه المجلة للاستفادة منها، فعهدنا الى الاستاذ سليم خوري بتلخيصها وتعريبها.
من هو المجرم الصغير؟ انه القاصر الذي يقترف اعمالاً يعدها القانون اجراماً، فيحال مرتكبها الى العدالة. ولكن صغاراً كثيرين يقترفون جرائم كهذه ولا تطالهم يد العدالة، لان اعمالهم تبقى مجهولة أو لأن ذويهم يسترونها فلا يحصى هؤلاء الصغار بين المجرمين. يقال ان جرائم الاحداث قد ازدادت في فرنسا، ولكن قد تكون هذه الزيادة العددية متأتية عن مهارة في اكتشافها وتتبع اثارها منذ سنوات، لا عن تكاثر عددي حقيقي.
عندما يقبض على حدث مجرم، تخضعه المحكمة المختصة لفحوص عدة قد تمكنها من اكتشاف اصل علله المسلكية فتعالجه بالطرق الفعالة. ومن هذه الفحوص المتنوعة الغايات والمختلفة الاساليب والاهداف ما يبين نوع العلة، أهي عقلية ام نفسانية ام ماذا؛ ولنبدأ اولا بالفحص النفساني.
ان الامتحان النفساني للذكاء يمكن الطبيب من معرفة ما اذا كان الحدث متأخراً عقلياً، أي انه يبين ان كان نمو عقل الحدث متأخراً نسبياً عن عمره الحقيقي. فلو اتخذنا مثالاً طريقة «بينيه - سيمون» التي طبقت عملياً وعلمياً على احداث من مختلف الاعمار لوجدنا ان الولد المتأخر عقلياً، أو ضعيف العقل، هو من نقص عمر نموه العقلي بسنتين أو ثلاث عن عمره الجسدي. وهاكم المعادلة التي تمكننا من قياس المستوى العقلي أو درجة الذكاء:
فان كان مستوى الذكاء مساوياً لـ «١» عد الولد عادياً وان كان اقل من «١» عدّ متأخراً وان نقص عن ٠,٧ فالولد ضعيف العقل حقاً.
غير ان العلماء الباحثين لم يكتفوا بهذا المقياس بل ارادوا ان يدخلوا الى اعماق المشكلة، فقدموا لنا انواعاً من الفحوص احدث واكثر دقة تكشف مسببات مساوىء الخلق وترشد الى العقدة أو الى المركبات، التي هي اصل الشذوذ المسلكي.
ان الفحص الطبي (الرسم الكهربائي للمخ) يرشدنا الى نقائص فيزيولوجية، وفي الغالب، الى دودة مرض «داء النقطة». كما ان التحليل النفسي والتنويم المغناطيسي، في بعض الحالات غير المفهومة لأول وهلة، يبين البواعث والعلل التي تقود الى ارتكاب الاعمال الشاذة. حقاً، ان الطبيب والعالم النفساني، وعلى الاخص الطبيب العالم النفساني، يقدم للعدالة وللعائلة معلومات ثمينة جداً.
وقد تبين للاطباء النفسانيين ان الكثيرين من الاحداث المجرمين مصابون بأمراض عدة عقلية وخلقية ونفسية منها:
١ - الضعف العقلي
ان ما يقارب الثلاثين بالماية من الاحداث المجرمين، واربعين بالماية اذا ضممنا اليهم متبعي البغاء، مصابون بالضعف العقلي. والضعف العقلي يساعد على الاجرام لأن انعدام التعقل ونقصانه وضعف الارادة الخلقية تسهّل انقياد المجرم الى جريمته. والبرهان على هذا هو ان ضعيفي العقول ليسوا رؤساء عصابات، بل ملتحقين بهم أو شركاء لهم أوجدتهم الصدفة، وهؤلاء هم الذين يقبض عليهم في مخزن كبير وهم يحملون امتعة سرقها غيرهم وولوا الادبار بينما وقع ضعيف العقل في الفخ.
وضعف العقل يفسح المجال امام الاندفاعات والغرائز لتسلك طريقاً سهلاً الى ارتكاب اعمال كثيرة مخالفة للحشمة والآداب، يساعدها في ذلك عدم مقدرة ضعيف العقل هذا على مراقبة نفسه وعدم نمو شعوره الخلقي والاجتماعي، كما ان «قلة الخاصية» التي يلجأ اليها ضعفاء العقول غير المتعلمين وغير المؤهلين لاحتراف مهنة ما، تجعلهم يستسلمون الى السرقة والنشل والبغاء وما شاكلها.
