٢ - خلل الطبع
ان خلل الطبع أو العجز عن التوافق والبيئة يصعب قياسه اكثر من الضعف العقلي . ومع ذلك فقد سجلت السنوات الاخيرة تقدماً كبيراً في هـذا المضمار واظهرت ان مختلي الطبع بين الاحداث المجرمين اكثر عدداً من ضعيفي العقول . وقد اشار الدكتور ديـبره والمتتلمذون عليه الى خلل الطبع فوصفه بانه حالات توافقية لا نستطيع ان نحركها مباشرة ، وقال : « يولد المرء فيه من خلـل الطبع كما يولد الانسان وله عينان زرقاوان أو سوداوان » .
غير ان العلم الحديث اظهر خطـل هذه النظرية ونقائصها : (١) فالغاء الغدد الصماء أو التدبر بخلاصة الهرمونات قـد ادخل بعض التحسينات على هــذه المشكلات التركيبية الجوهرية . (٢) كما ان البحث الطبي قــد اثبت ان بعض الامراض الوبائية تترك في المرضى الذين يشفون منها مشكلات خلقية مشابهــة تماماً لما يسميه الدكتور ديبره بالمشكلات التركيبية الجوهرية . (٣) وقـد اثبتت الجراحة النفسية ايضاً ان استئصال خرّاج من المادة البيضاء في الدماغ قد حسن طبع المريض . (٤) والتحليــل النفسي الجديد برهن ان خلل الطبع ناتج عن عقد نفسية شكلية تشفى عندما تستطيع معالجــة التحليل النفسي ان تخرجها من مخبئهــا السري الى مرأى العقل الواعي . ان هذا الخلل المتأصل في مجرى حياة المرء يتصل اتصالا وثيقاً في اكثر الاحيان ، بالشعور بالنقص الجسماني أو الاجتماعي ، او يتصل برواية رسخها المحيط في عقل الصغير . اذن فهذه المشكلات ليست تركيبية جوهرية ، وهي ايضاً قابلة الشفاء .
ويجب ان نلحق بمختلـي الطبع كل
المترددين . وهذا النوع خداع : الدافع عندهم غير مرئي ، ولا يمكن ضبطه . انه يكبلهم « كدور الملاريا » او كمارض داء المفاصل ، انهم غير جديرين بالثبات في أية مهنة أو في أي عمل . تراهم منقادين لبطالتهم الوقتية ، ثم الى السرقة والدعارة وما شابهها .
٣ - الجبلة الفاسدة
والصنف الاخر هم فاسدو الجبلة ، وهؤلاء ، لحسن الحظ ، اقل عدداً من الاحداث المجرمين . لقد منح هؤلاء اقل كمية من قوة التبصر . لا يمكنهم ان يتحسسوا قيمة أي شعور أو مناقشة اخلاقية أو اجتماعية . انهم لا يعرفون العيب ولا المحبة ولا الشفقة ولا المعروف ولا الخوف ، ويصعب جداً ان يعرف المرء كيف يؤثر فيهم وما يجب ان يفعله لهم أو بهم .
٤ - الحساسية الزائدة
وهذا النوع يحتوي على الاشخاص الذين لا يستطيعون ان يتحملوا الصدمات الاجتماعية ، عائلية كانت أم مدرسية ، فتراهم يهربون اذا ما شعروا بأقل امكانية لسخرية او لتأنيب . ان مخاوفهم ليست غير منطقية كمخاوف المترددين ولكن اهدافهم قد تكون تافهة زهيدة . ان تلميذاً من هذا النوع لا يتجاسر ان يقدم لوالديه علامة مدرسية واطئـــة فيتشرد ويسرق وينقاد الى الدعارة . ويجب الا نحسب ان هؤلاء الاطفال الخائفين قـد يكونون حتماً اطفالا لا يعاملون بالحسنى في بيوتهم أو لا يفهمهم ذووهم ، لانهم ضعفاء عصيون كما يكون غيرهم ضعفاء كاذبين . انهم لا يستطيعون ان يتحملوا أية عاطفة قوية . وان اقل شذوذ عن المحيط ، يكون في نظرهم عاطفة قوية .
٥ - التعويض
وهنالك صنف من الاحداث المجرمين لم نعالج امرهم قبلًا هو « المجرم المعوض » . ان الجرم في نظر هؤلاء الاطفال أو البالغين هو انتقام لضرر تحملوه . انهم يتجاهلون انفسهم غالباً ولكنهم لا ينسون اختباراً قاسياً حتى ولو كان قد حدث لهم قديماً . ويكون انتقامهم غالباً غير ضيري . انهم لا يتكلمون مختارين عن ضرر لحق بهم ، وعـلى الطبيب أو العالم النفساني ان يكتشف هذا الضرر . وسنقدم مثالين عن التعويض :
( أ ) صبي في الخـــامسة عشرة من عمره ، صلف ( فشاط ) متكبر ، من عائلة جيدة ، تمرس في باريس باختبارات جنسية بكرية مع عواهر . واذ انتقل ابوه الى الالزاس اخذ ابنه معه . فاراد الولد ان يلعب الدور الذي مثـله والغواني الباريسيات ، مع القرويات الصغيرات الجارات ، ولكنه فشل فشلًا ذريعاً . وفي احد الايام حطم شباك البلدية ومزق الاعـــلانات ونداءات الزواج المنشورة في الاطار ، ثم ذهب الى المقبرة فنزع الاكاليل ودنس القبور . هبت القرية تفتش عن مرتكب هذه الاعمال الناقصة . وبعد وقت قصير استلمت هيئة البلدية رسائل مغفلة ارسلها هو . أخذت قوى الامن تفتش عن المجرم دون جدوى . وصدف ان التقى مرة بأحـد رجال الدرك فصاح بوجهه متهكماً . فأنبه الدركي وامسك به ، وبعد ضغط قليل اعترف بارتكاب هذه النقائص متباهياً ، فسلم الى العدالة التي طلبت من الدكتورة سيران ان تفحصه . فكان اول ما فكرت به الطبيبة ان الرعونة الباكرة قد تكون الدافع الذي حرك هــذا الصبي ، لا سيما بعد ان تظاهر المستهتر الصغير بالتعجرف قائلًا : « ان هؤلاء الفلاحين لا يستحقون اكثر من الاهانة التي لحقت ببلديتهم
