في صباح احد الايام دعا الامبراطور الياباني رجلاً يسمى كاجاوا الى القصر الملكي وطلب اليه ان يبين له الخطط التي يجب اتباعها ليقال عنه انه رجل الشعب. وبعد ان استغرق الكلام في هذا الموضوع ساعة ونصف الساعة تماماً، اخرج كاجاوا من جيبه توراة قديمة العهد وقرأ فيها ما يأتي: «من يريد منكم ان يكون عظيماً فليكن للجميع خادماً.»
ثم التفت الى الامبراطور وقال له: «ان شعبكم يا جلالة الامبراطور يكنّ لكم خالص المحبة والاحترام، غير ان الفرد لا يصبح شبيهاً بالالهة الا بخدمة المجموع!» وكانت هذه النصيحة التي فاه بها كاجاوا امام الامبراطور هي التي اتخذها هو مثلاً في تعليمه وكرازته طوال الاربعين سنة من حياته، مما جعل الملايين من الناس يقرّون له بأنه عنوان المسيحية الحقة في العالم.
وقد ترأس هذا الرجل عدة مشاريع حيوية وغيّر بجهوده النظام الياباني الاجتماعي من عدة وجوه. وقال ان الشيوعية داء عضال غير قابل الشفاء، وانه يقضي على النظام الاجتماعي بالفناء.
وقد ذاق كاجاوا في بداية حياته مرارة الاهانة والعذاب لان امرأة والده ووالدتها كانتا تضربانه بلا شفقة، ولم يعِ ان في قلوب الناس الحب والحنان الا عندما أرسل الى مدرسة الاميركان حيث ذاق لذة المحبة والعطف والفضيلة من
المعلمين الذين تعهداه بحنوهما واخذاه الى بيتهما، وعلماه ان الله له محبة وقد خلق جميع الناس سواء، وان الذي يخصص حياته لخدمة غيره يمكنه تغيير امور كثيرة من جانب الشر الى جانب الخير. وقد اوحى هذا لكاجاوا الاهتمام برفع شأن الساقط المنبوذ ومحبة غير المحبوب وخدمة المظلوم.
لذلك تأهب كاجاوا للخدمة المسيحية باجتهاد كلي في الكلية المسيحية في طوكيو. على ان تلك الجهود الجبارة التي ابداها في اثناء الدرس اضعفت بنيته، حتى انه في السنة الثانية اصيب بداء السل. فارسله اصدقاؤه الى شاطئ البحر للاستشفاء. وهنالك قضى وقته في تأليف رواية دعاها «عبر خط الموت».
وعندما عاد الى طوكيو سجل اسمه في مدرسة اللاهوت في كوب، وكان همه الوحيد ان يسرع في العمل التبشيري متخذاً مثل السامري الحنون شعاراً له. لذلك ذهب يكرز ويبشر في اقذر احياء سنكاوا غير مكترث بصحته. وكانت تلك الاماكن القذرة الموبوءة المملوءة بالحشرات والديدان مسكناً لاحد عشر الفاً من المتسولين والمقامرين واللصوص ومن على شاكلتهم من البؤساء المنبوذين.
وفي مساء احد الايام من عام ١٩٠٠ حمل كاجاوا مقتنياته القليلة وتوجه الى سنكاوا وقد بقي فيها يعلم ويكرز نحواً
من خمس عشرة سنة.
وفي اثناء تلك المدة نشر افكاره وآراءه الصائبة في اكثر من مئة كتاب، فكان من ذلك ان نبذه سكان تلك المدينة. غير انهم لما علموا علم اليقين ان غايته ترمي الى خدمتهم مجاناً دون مقابل عطف عليه اكثرهم واحترموه.
وعندما انفق كاجاوا الخمسة الدولارات التي تقاضاها من المدرسة مكافأة له على جده واجتهاده، عاد فاشتغل في تنظيف المداخن بمرتب شهري قدره خمسة دولارات كان ينفقها في ابتياع الارز غذاء للفقراء، وكان يسمي «ابرشيته» ملكوتي الصغير!
ولم تمض برهة يسيرة حتى التحق به فقراء عديدون. وقد طلب احدهم منه قميصه فاعطاه اياه، ثم طلب منه رداءه فلم يبخل به عليه. غير انه في احد الايام طلب منه رجل من السفهاء بعض النقود، واذ لم يكن لديه ما يعطيه ضربه ذاك السفيه بقبضة يده على فمه فسقطت اسنانه الامامية. ولم يكن ليقابل اللطمة القاسية بمثلها لانه ايقن ان تحت تلك الاثواب القذرة البالية نفساً خلقها الله، وان رفاقه قابلون للتجديد اذا أتيحت لهم الفرصة. وهكذا حدث لانهم طفقوا يأتون اليه بمشاكل حياتهم التعسة. وقد ارغموا اولادهم على حضور المدارس الاحدية التي كان يقيمها لهم حتى انهم كانوا يجمعون النقود القليلة لاجل مساعدة ذويهم الفقراء.
وحدث في اثناء غيابه في احد الايام، أن جاء الى كوخه احد الصحافيين واذ كان يفتش امتعته وقعت عينه على ملف

