يسرني اليوم ، وأنا إحدى القارئات العربيات ، أن تقطن سيدة جليلة كالسيدة أليس نقاش التي ترأست مؤخراً لجنة تحرير « صوت المرأة » إلى النواحي العملية الأساسية في حياة المرأة عندنا ، فتطلب الكتابة في صفحات هذه المجلة النسائية عن وضع المرأة في ميادين العمل بقدر ما يمكن من التحديد والإيضاح حتى يصير من الميسور معالجة مشاكلها على ضوء الحقائق الواقعية : فما أكثر ما نضيع إذ نتناول البحث في شؤون المرأة في مطلقات عامة لا تستند إلى الواقع بشيء ولا تأتي بالطبع بأية نتيجة محسوسة .
فبينما نحن نسترسل في إثارة المناقشات حول إمكانية أو عدم إمكانية اشتراك المرأة في ميادين العمل العامة ونكثر من الاستشهادات الواردة في هذه أو تلك من المؤلفات العلمية أو الفكرية لإثبات وجهة النظر هذه أو تلك ، بينما نحن في هذا الحوار النظري نرى أنه أصبح للمرأة مشاكل برزت من واقع جديد دخل في عداد المعطيات التي تتألف منها قضية المرأة وما هذا الواقع سوى دخول المرأة عملياً ميادين العمل العامة . فالاستمرار إذن في البحث عما إذا كانت المرأة جديرة بأن تلج شتى ميادين العمل بادرة تدل على جهل أو تجاهل الواقع وهي على كل حال لا تأتي بأية فائدة عملية بالنسبة للمرأة إذ أنها تصرفنا عن مواضع الخطأ في الشروط
التي تحيط بحياتها الجديدة ، والأمثلة على هذا الانحراف كثيرة منها التغاضي عن مسألة مساواة الأجور بين المرأة والرجل عن كل عمل مساوٍ نوعاً وكمية .
كلنا يعلم أن هناك قانوناً للعمل يقضي في جملة ما يقضي ، على أن يكون الحد الأدنى لأجر العمال اليومي ٣٦٠ غرشاً لبنانياً ، ولكن الذي لا نعلمه لأننا لم نسع لمعرفته هو أن المرأة العاملة لا تتقاضى إلا ٢٠٠ غرشاً لبنانياً عن اليوم الواحد أي ١٦٠ غرشاً أقل من الرجل وأن هناك بنات يعملن بأجر يومي يتراوح بين المائة وخمس وعشرين والمائة وخمسين غرشاً لبنانياً عن يوم العمل . ولا تتقاضى أجراً يومياً يبلغ المائتين وخمسين غرشاً لبنانياً إلا العاملات اللواتي عملن في المؤسسة الواحدة خمس أو ست سنوات .
هذا من ناحية مستوى الأجور وعدم مساواتها بأجور الرجل للعمل الواحد .
أما من ناحية ساعات العمل فكثيراً ما تعمل الفتاة أكثر من ثماني ساعات في اليوم بحيث تبدأ عملها من الساعة السادسة صباحاً لتنتهي في الساعة الرابعة وأحياناً في السادسة مساءً . أما الساعات الليلية فتدفع بمثل ما تدفع ساعات عمل النهار دون أية زيادة .
وهناك أيضاً مسألة الشروط الصحية
في أماكن العمل ، فإن هذه الشروط مفقودة تماماً إذ أنه لا يوجد أي إشراف من قبل وزارة الصحة أو أي إشراف آخر لا سيما بعد أن انتزعت من منظمة اتحاد حماية الطفولة التي كانت قد اعتبرت من المؤسسات ذات المنفعة العامة بموجب مرسوم رقم ٣١٠ ل.ا صلاحية القيام بهذا الإشراف وتقديم التقارير وتنظيم محاضر الضبط . فكثيراً ما يصاب عمال وعاملات المصانع القطنية بالأمراض الصدرية لعدم وجود الكمامات الواقية من غبار القطن القتالة ولعدم وجود شروط التهوية اللازمة لتخفيف تأثير هذا الغبار القتال ، هذا بالإضافة إلى عدم وجود المنتفعات الصحية وأمكنة لتناول الطعام وتوفير مياه الشرب غير الملوثة الخ .
وكثيراً ما تصاب الفتيات بتضخم عروق الساقين « الشاريس » بسبب ساعات الوقوف الطويلة فلا تستطيع الفتاة التي تصاب بمثل هذا الداء ترك عملها


