
والحنان الا همهمات حيوان شرس لا يهدأ الا في مواعيد الطعام ينصرف اليه بشراهة الذئاب الجائعة .
ويزور الراعي طبيب فيهم لامر الفتاة جرترود ويعجب لانحطاطها العقلي وليس فيها من العاهات الا العمى ويزول تعجبه عندما يعلم ان احداً لم يكلم الفتاة في حياتها فيدله على طريقة يوقظ بها قواها العقلية يجعلها تلمس المسميات اولاً ثم بترديد الاسماء مراراً على سمعها او باطعامها شيئاً يردد اسمه مراراً حتى تألفه وهكذا ...
وبصبر كصبر ايوب ينقطع الراعي الى تعليم العمياء - والى تأنيب زوجته المستديم لصرفه الوقت المخصص للعمل النافع فيما لا يفيد - وما كان يؤلمه اكثر من اصرارها على القول ان جهوده هي كقبض الريح ، وانه لم يُعن يوماً باحد اولاده كما يهتم بهذه العمياء .
واخيراً تدق الساعة السعيدة ... فيستيقظ ذلك العقل النائم في الظلام وتبدو تباشير الصباح . هوذا مظهر التفهم يعبر عن نفسه بابتسامة حلوة تطفو للمرة الاولى على ذلك الوجه الجامد كوجوه التماثيل - أهي ابتسامة ام شيء كالتجلي ؟ لقد تحركت قسمات الوجه مثل حركة ذلك النور المفاجيء الذي يسبق الفجر في اعالي جبال الالب ويُرعش القمة الثلجية فيخرجها من جوف الليل ! وهوذا الراعي يقف مشدوهاً امام وجه ملائكي ترتسم عليه قبل نورانية الذكاء آيات المحبة وعرفان الجميل .
بعد ذلك البطء الذي سبق اليقظة ينهب ذكاء الفتاة الاشواط نهباً فتتعلم القراءة على طريقة العميان وتدرس الاناجيل وحياة يسوع ، وينتهي الشتاء فيأخذها الراعي الى الحقول فتتعرف الى عوالم النبات والزهور والطيور والحيوانات . لقد كانت في ذلك الكوخ القديم محصورة ضمن اربعة جدران وقليلاً ما كانت تخطو نحو الباب فقط لتطل منه على عالم الانوار ، لقد كانت تعتقد ان غناء العصافير هو وليد النور ، كهذه الحرارة - حرارة الشمس المدغدغة يديها وخديها - كانت تفكر ان الهواء الدافئ يغني كما يغني الماء في الابريق امام النار في الواقع انها لم تهتم يوماً بشيء ، لقد كانت تعيش كما في خبل وخمول عميقين الى ان وضع
الراعي يده على جبينها - ولما قال لها الراعي ان هذه الاناشيد تخرج من حناجر مخلوقات حية لا عمل لها سوى التعبير عن افراح الطبيعة وقفت كالمسحورة ومنذ ذلك اليوم تعوّدت ان تقول في ساعات فرحها :
« انني جذلة كعصفور »
كانت تسأل :
- أحقيقي ان الطبيعة جميلة كما تحدثنا الطيور ؟
لماذا لا تتكلمون عن جمالها - ولماذا لا تتكلم انت يا سيدي الراعي ؟ اتخاف ان تؤلمني لانني لا اراها ؟ لا تخف ! انني اصغي الى الطيور واظن انني افهم كل ما تقوله !
فيجيبها الراعي :
- ان الذين يبصرون لا يفهمون اغاني الطيور مثلك يا بنيتي
- ولماذا ينحصر الغناء بالطيور ، لم لا تغني الحيوانات ؟
امام اسئلة كهذه كانت الحيرة تستولي على الراعي ..
فتسأل من جديد اذا كان العصافير هي وحدها الحيوانات الطائرة ؟
- والفراش ايضاً يطير يا بنية
- وهل تغني الفراشة ؟
- ان الفراش يعبّر عن سروره بشكل آخر واناشيده مرسومة بالوان على جناحيه ...
وبين رجل خير ينقطع الى ادخال النور الى قلب وعقل مظلمين ، وامرأة غيرى ، وفتاة حرمت كل شيء ثم نعمت بالمعرفة ، والعطف ، والمحبة ، تنشأ مأساة صامتة عنيفة .
ويأخذ الراعي ربيبته الى حفلة موسيقية لسماع المعزوفة الشهيرة La symphonie pastorale وكانت تعزفها جوقة مدينة نيوشاتل . هنالك يتجلى ذوقها الفني فتسبح في عالم غبطة علوي مسحور - في الطريق يستولي عليها سكوت عميق تقطعه سائلة :
العمياء - أحقيقي ان كل ما تشاهدون جميل مثل هذا ؟
الراعي - جميل مثل اي شيء يا عزيزتي ؟
العمياء - جميل مثل ذلك المشهد في المعزوفة « على ضفاف الساقية » ؟