لم يكن الحب اكتشاف القرون الوسطى، وان تكن تلك العصور انجبت الحب الحقيقي بمعانيه العديدة، بانفعالاته الشديدة والمميتة. بدأت تلك العواصف الجسدية، المعروفة لدينا والتي تضع امامنا كل يوم امثالاً مخيفة، تلهب الشعر وكتب الادب، كما كانت تحرق الانفاس في السنين الاخيرة للقرن الحادي عشر. والسبب في هذا هو ان الرجل اخذ يعتني بالمرأة ويلاحق اسرارها. فالى ذلك الحين لم تكن المرأة سراً من اسرار الطبيعة، بل كانت للرجل وكان الرجل لها، دون ان يفطن ابناء آدم الى حقيقة الكنوز التي تملكها المرأة وقيمتها، لان الحب منذ القدم لم يكن الا نوعاً من العشق.
تعرف العرب الى كتب افلاطون، وخصوصاً «المائدة»، والى اراءه بواسطة الترجمات التي وضعت بامر الخلفاء في القرنين الثامن والتاسع، والتي نقلها بعض السوريين المسيحيين. وبدأ التفنن في الحب عندما كتب ابن داود في سنة ٩١٠ في بغداد كتاب «زهرة البرتقال» ليلقن القارىء اسرار امتلاك المرأة. وجاء من بعده ابن حازم عام ١٠٢٢ فنشر كتاب «عقد الحمامة»، وهو يعدد طرق الاغراء، على طريقة اوفيد، وقد استمد مؤلفه من منابع تجاربه اكثر المعلومات.
ولكن العرب كانوا قد تعرفوا قبل وضع تلك الكتب، الى اقوى قوة عالمية
كانت منذ البداية، قوة خلقت العالم من جديد ولقنته مبادىء الانسانية، مبادىء الشعور والاحساس وقيمة الحب، اذ ما المسيحية الا حب الهي عنيف ومتواصل. عرف ذلك العرب ونسبه الغرب الى ان جاءت فتوحات الاسلام التي احدثت في اوروبا انقلاباً اجتماعياً غيّر مجرى الفكر الغربي وبعث المدينة المسيحية من رمادها احد عشر قرناً بعد ظهور المسيح.
وبينما كان القدماء يعتبرون الحب الذي كان اسماً لغير مسمى، لانهم لم يعرفوا الا حقيقة العشق، خطراً على التوازن الاجتماعي والفردي، بدأ الرجال بعد ان تفتحت عقولهم على مباهج المرأة، وبدت لعيونهم زهور لطيفة اللمعان، شذية الروائح، منتعشة الاثمار، ولعبت العاصفة بقلوبهم قبل ان تمس اجسادهم، بدأ الرجال يبذلون اقصى الجهد للظفر بنظرة من امرأة. كان الحب متعة، فجاء العرب وايقظ الغرب من غيبوبته واصبح الحب تفكيراً طويلاً، فيه ألم وعنف، قبل ان يكون سعادة جسدية. وبعد ان كان للملذات والمحرمات الحسية، اصبح للحياء اقرب وللعفة اخلص. وحيث يدخل الحب، تتحسن الاداب ويطمع الشعور النفسي بالكمال، لان الحب هو انعكاس اشعة الهية تقرب الحب من الخالق. وعكس ذلك: الحب الالهي يؤدي الى الجمال الغزلي والاحساس بالوجود.
عرف ذلك الغرب عن طريق غزوات
القرن الثامن وحروب الامبراطور شارلمان، وحملات الصليبيين في اسيا وافريقيا (١٠٩٦ - ١٢٧٠)، التي اجبرت بلاد الافرنج على التعامل مع العرب او الاحتكاك بهم بتبادل الاسرى، والنساء، والحجاج، والبضائع. واصبح اختلاط العرب والافرنج مألوفاً لكل منها، وهذا ما ساعد على نشأة الزجالين في فرنسا، الذين خلقوا للحب المميت المترفع والشعر وحسب، وبفضل هاتين الصفتين تفوقوا على شعراء الاندلس الذين ملأوا الزجل والموشحات بامور غير عفيفة واحياناً بذيئة التصوير. واذا كان الشعور في الزجل الافرنسي يختلف عن شعور الزجل الاندلسي، فان البحور ظلت على ما هي، والمعاني بقيت كما كانت، ولم يتغير الا تركيب الجمل. ولكن التقارب في الشعور والمعاني موجود بين زجالي فرنسا وشعراء العرب في اللغة الفصحى.
اذاً لو لم يتعرف الافرنج على الشعر العربي، لما كانت عقلية الغرب تغيرت، ولما رأينا الحب العذري ينتقل الى اوروبا ويصبح ابرز الانغام الرئيسية في الشعر والزجل الافرنسي. وكأن قوم بنو عذرة (كما هو معروف) اذا عشقوا ماتوا، في نسائهم صباحة وفي فتيانهم عفة،
