يعدون الموت في الحب مزية دون ان يكون ذلك من ضعف البنية أو عجز الروية ، كما قالوا . لقد قال بنو عذرة عن انفسهم لرجل غريب عنهم : اما انكم لو رأيتم المحاجر البلج ، ترشق بالاعين الدعج ، فوقها الحواجب الزج ، وتحتها المباسم الفلج ، والشفاه السمر ، تفتر عن الثنايا الغر ، كلما برد الدر ، لجعلتموها اللات والعزى ورفضتم الاسلام وراء ظهوركم !
والمحب العذري رقيق القلب ، كثير الهزال والاصفرار ، شديد العفة ، يفضل الموت على ان يدنس حبه بأية لمسة جسدية . وحب عذري العلاقة كفيل بأن ينسى المحب الاكل والشرب ، ويعصف بصدره
الداء من كثرة حبه ، الى ان اصبح العشق العذري معنى آخر للموت ، والوصول الى الموت اعتبر الكمال في الحب العذري .
الحب للموت ، والموت كنهاية للحب ، فكرة عربية الاصل ، افرنسية الروح ، تبرز في اشهر قصائد القرون الوسطى : تريستان وايزوة (Tristant et Iseult) . ألم يقل المسعودي : « ان الحب نقطة من محيط الموت » ؟ قد يقال ان الشعراء الافرنج لم يصل بهم الحب الى درجة الاحتضار ، ولكن شعرهم عاد يردد تلك النغمة ، وكانت تنبعث من انفسهم زفرات اشبه بالتي يلفظها المرء على فراش الموت ، زفرات اتخذت شكل ابيات
رقيقة ناعمة لطيفة المسمع . ان زجالي فرنسا ، لم يصلوا في حياتهم الخاصة الى درجات الموت التي كان ابناء قبيلة عذرة يصلون اليها بسهولة ، ولكنهم خلدوا تلك المواقف حتى اصبحت بالاساطير اشبه منها بالواقع .
وكما وصل العشق العذري للغرب عن طريق الغزوات العربية ، تعرفت القرون الوسطى المسيحية بواسطة الفتوحات الاسلامية ، الى الحب الالهي في شكله الادبي الذي عاد شائعاً في القرن الثامن بين الصوفيين . أليس حب الله هو اقدم الاشياء واحسنها ؟ وذلك لان مصدره هو الجمال ، والله جميل ويحب الجمال .

