الرجل من التفرغ والانصراف إلى الإنتاج العلمي والتدريب العسكري المحض . وهي تلبس لباساً عسكرياً أو بحرياً خاصاً بعين درجتها في سلك الجيش .
نرى إذن أن اهتمام المرأة الأميركية بالناحية السياسية لا يتألف من هبات انتخابية فحسب بل من مؤسسات منظمة تعي جميع التيارات السياسية وتتابع مجريات الحوادث وتشعر بوزنها في الميزان العام .
وهل جرف الهوس السياسي المرأة الأميركية فانصرفت بكليتها إلى التصويت والانتخاب وحصرت همها في هذه الناحية دون غيرها ، أم هل نجدها واعية مشاكل أخرى في حياتها ؟
نستطيع القول بأن اهتمامات المرأة بنواحي الحياة الأخرى يفوق بدرجات اهتمامها بالسياسة . ففي الناحية الاقتصادية نجدها عضواً في المجتمع فعالاً ، فهي تشغل معظم الوظائف العامة حتى ليكاد الغريب في أميركا يظن لأول وهلة أن المرأة مستأثرة بجميع الأشغال ويستغرب لما لا يطالب الرجل بحقوقه ! فإذا دخلت إلى المخازن أو بعض المكاتب والمدارس والمستشفيات والمطاعم أو تكلمت على التلفون وجدت نفسك تتعاملين في الدرجة الأولى مع سيدة ويعجبك منها أنسها ولطفها وهندامها وكفاءتها وجديتها في العمل . وإذا فتشت بتعمق عن أحوال المرأة الاقتصادية في أميركا لوجدتها تشغل مراكز كبيرة في الدولة تتعاطى معها أجوراً عالية ، ولوجدتها في جميع المهن الحرة ، ولاكتشفت بأنها تملك تجارات وصناعات وأرزاقاً كبيرة جداً ، ويقال إن معظم توفيرات الشعب الأميركي المالية في يد المرأة . ثم نجد المرأة مهتمة بدرس أحوالها ومشاكلها الاقتصادية ، وها هي قد نظمت بعد إلحاح مستمر مع الحكومة دائرة خاصة بها في وزارة العمال
أو قسم العمال من دوائر الحكومة Labor Department . تدرس بواسطة الموظفات المتخصصات في هذه الدائرة أحوال العاملات في البلاد وتجمع الأحصاءات وتقدم الاقتراحات وتنص القوانين العادلة ثم تسعى إلى تطبيقها بواسطة الكنغرس .
أما الناحية الاجتماعية فهي حقل الأعمال النسائية الأوسع . فيه تعمل المرأة بانطلاق كلي متدفعة بالروح الأميركية الديمقراطية التي تحتم على الفرد الخدمة الإنسانية والتفاني في سبيل المجموع . ومن أهم المؤسسات الاجتماعية في أميركا جمعية الصليب الأحمر - فيها يتعاون الرجال مع النساء .
تساهم المرأة في جميع المشاريع الوطنية مساهمة فعالة ولها يعود الفضل الأكبر في جميع ملايين الدولارات كل سنة لشتى المشاريع الإنسانية .
ومن أهم المؤسسات النسائية أيضاً نادي التعاون وهذه مؤسسة دولية ، لانتشار فروعها في مختلف أنحاء العالم . ومن المؤسسات النسائية في أميركا الجمعيات التي لا تحصى ولا تعد منها ما يرتبط بالكنيسة مباشرة ومنها جمعيات علمانية تخدم جميعها غايات اجتماعية مختلفة . وهناك المؤسسة الكبرى التي تضم معظم الجمعيات وهي «المجلس النسائي الأميركي الوطني» ، وهو عضو في المجلس النسائي الدولي . ويضم هذا المجلس الدولي عدداً كبيراً من المجالس النسائية في معظم دول العالم . ولا تنتهي الحركة النسائية عند الجمعيات بل هناك المؤتمرات التي تعقد باستمرار ، فيها تدرس المرأة شتى المشاكل الاجتماعية وتأخذ قرارات بشأنها ، تسعى دوماً إلى تنفيذها بكل جدية ونشاط . وهناك النوادي النسائية الشهيرة .
يتساءل المرء بعد هذا الوصف لحركة المرأة الدائمة في أميركا ، أين البيت والعائلة
والطفل ؟ وإن المرأة من هؤلاء جميعاً ، أليس البيت حقل عملها الأول ؟ لا شك أن المرأة الفضل الأكبر في تكوين البيت الأميركي . ولا تزال العائلة في أميركا أحد الأركان الأساسية التي يقوم عليها بناء الأمة رغم ما يهددها من أخطار . فالعائلة مؤسسة تعهدها الأميركي بالفعل بعناية خاصة . ولها تقاليد جميلة ، دينية وتعاونية وتربوية يتبعها عفواً كل مؤسس عائلة . والحياة الأميركية عملية في جوهرها ، والبيت الأميركي من أكثر البيوت التي عرفتها بساطة مع ترتيب وتنظيم للإدارة الداخلية وتوفير جميع وسائل الراحة تساعد جميعها على اختصار في الوقت وتأمين لسعادة كل فرد في العائلة . ويُربى الطفل تربية صحيحة ويعوده أهله على الاستقلال الفردي والاعتماد على النفس منذ الصغر ويتلقن مبادئ الحياة الديمقراطية في البيت وفي المدرسة والمجتمع فينشأ مواطناً حراً يعرف حقوقه ولا يفرط فيها مع وعي تام لواجباته ومسؤولياته واحترام لحقوق غيره .
هذا هو البيت الأميركي في حقيقته ، ويداهمه اليوم خطران مقلقان . أولهما مشكلة الطلاق ، وثانيهما التفسخ بين أفراد العائلة حيث يستقل كل عضو فيها بحياة خاصة يعيشها معظم الأحيان خارج البيت وبانقطاع عن عائلته . وتشتد وطأة هذين الخطرين في المدن الكبرى أمثال نيويورك وهوليوود وغيرهما . ولكن للعلم أن المرأة أخذت تجابه هاتين المشكلتين وأخذت تتساءل إلى أي حد هي مسؤولة عن نجومها ، وإلى أي حد أيضاً للحياة الأميركية العصرية الصاخبة والمعقدة تأثير في تفكك العائلة .
السؤال الحقيقي في نظري الذي يجب أن نجابهه كل امرأة هو كيف تنظر إلى مسؤولياتها وما تعتبره منها أساساً
