فضاء واسع شاسع لا نهاية له، وماء عذب نمير يتدفق من عيون في منحدرات الجبال، وتراب ناعم خصب يكسو بلونه السّاجي سطح الارض ليحجب ما فيها من غرائب وعجائب، واشجار خضراء مثمرة يداعب النسيم اوراقها فتهتز طرباً وتعبّر عن طربها بحفيف رقيق تحدّثه بين جوانبها تعجز قيثارة اعظم موسيقي عن محاكاة انغامها - هذه هي الطبيعة التي نلجأ اليها في مثل هذا الشهر من كل عام.
نعم هذه هي الطبيعة التي خلقها الله الكريم وخلقنا لنعيش بها، علنا اذا رأيناها ومتعنا نواظرنا بجمالها علمنا ما هو الجمال الحقيقي وما هي العبقرية الخالدة. هذه هي الطبيعة التي اول ما رآها الشاعر بادر الى نظم ما نثرته من جمال لانه خياليّ ومن حق الطبيعة ان تغذّي خياله. فالسماء جميلة، يقول مصطفى لطفي المنفلوطي، « السماء جميلة، والشاعر هو الذي يستطيع ان يدرك سر جمالها، ويخترق بنظراته أديمها الأزرق الصافي، فيرى في ذلك العالم العلوي النائي، ما لا تراه عين ولا يند اليه نظر. والبحر عظيم، والشاعر هو الذي يشعر بعظمته وجلاله، ويرى على صفحته الرجراجة المترجحة صور الامم التي طواها، والمدن التي محاها، والدول التي ابادها، وهو باق على صورته لا يتغير ولا يتبدل ولا يبلى على مر العصور والايام. والليل موحش والشاعر هو الذي يسمع في سكوته وهدونه انين الباكين، وزفرات المتألمين، واصوات الدعاء المتصاعدة الى آفاق السماء، ويرى صور الاحلام الطائفة بمضاجع النائمين، وخيالات السعادة والشقاء الهائمة في رؤوس المجدودين والمجدودين. الشاعر يرى الجمال في كل شيء يتناوله سمعه وبصره، حتى في الزهرة الذابلة، والنبتة الحائلة، والنحلة الطائرة، والفراشة الحائمة، فهو
من خياله الواسع في نعمة دائمة لا تنفد ولا تبلى ».
هذا ما يقوله المنفلوطي في الشاعر وهو من امتع ما قيل فيه، اما اذا كان الشاعر يرى الجمال في الزهرة الذابلة والنبتة الحائلة، فكيف به وهو يشاهده في الطبيعة الفتانة، الطبيعة التي يعمل سحرها في خياله، فتأخذ بناصره وتصقل قوة تعبيره وتجعل الالفاظ تجري على لسانه باحسن ما جادت به شاعرية رجل يقرض الشعر.
حياتنا شبيهة بحياة النهر المنحدر من منبعه في اعالي الجبال والمنخفض نحو مصبه في البحر العظيم. حياتنا شبيهة بحياته فهو يسير رغماً عنه مسرعاً مندفعاً، تعترضه الجنادل فلا تزيده الا قوة وتصب به الروافد فيمسي بها اشد بأساً واكثر قدرة على مواجهة الصعاب - حياتنا شبيهة بحياته: لاننا نسير مثله مسرعين من عهد حداثتنا الى سن شيخوختنا، وتعترضنا في سيرنا المصاعب الجمة فلا تزيدنا الا قوة وتتألب علينا متاعب الايام فلا تتركنا الا ونحن اكثر بأساً. حياتنا شبيهة بحياته فالنهر ان لم يهب مياهه العذبة للطبيعة تنمي بها زرعها وتسقي عطاشها، عاش منبوذاً منسياً وتلاشى مكروهاً مذموماً، وكذلك نحن ان لم نهب العالم من ثمرة مجهوداتنا وعصارة اتعابنا بتنا منبوذين منسيين وكان اسمنا كاسمٍ لم يسطر على جبين التاريخ.
هذا وحي النهر لنا وللشعراء من ابناء امتنا. ولكن الطبيعة ليست نهراً واحداً يجري من اعالي الجبال الى
منخفضات الاودية، لا انما الطبيعة مزيج بديع غريب مؤلف لا من انهار فحسب، بل من جبال واودية واشجار وازهار، وهذا المزيج الممتع انما يتبدل ويتغير فيرتدي لكل فصل حلته ولكل زمن بزته. ولقد أعجب الشعراء بهذا المزيج البديع وتأثروا بوحيه كيف لا وهو جوهر خيالهم ومثار عواطفهم؟ فقال ابن سهل الاشبيلي فيه:
الارض قد لبست رداءً اخضرا
والطلّ ينثر في رباها جوهرا
هاجت فخلت الزهر كافوراً بها
وحسبت فيها التبر مسكاً اذفرا

