كنه سرها والاستفادة من حلوها ومرها، ولم تنسه شمس يومه التفكير في ليل غده فيُعد لليل المقبل عدته ويهيء له سراجاً يستنير به ويتبدد بنوره وحشة الظلام.
الحياة بحر كبير زاخر، تثور مياهه وتتلاطم أمواجه فاذا ما مسّت حدود اليابسة ارتدت وجلة الى الوراء خائفة مذعورة من ارتياد مكان محرّم عليها - تشرق الشمس على مياهه فتحبسها وكأنها لآلٍ، قد نثرت على صفحته لا يعوق انتظامها الا تلك الحركة الدائمة ما بين الأمواج - وما تلك الحركة الدائمة الا قبس من سر الحياة. لقد أعجب شعراء الإنسانية بالبحر لأن حياتهم كحياته غامضة كغموضه هائجة كهياجه، ولقد أعجب به كذلك الأدباء، فبأتوا يذكرونه
ويعددون حسناته وينسبون اليه كل مفخرة وكل معجزة.
فالى الطبيعة الحافلة بالينابيع والأزهار، الى الجبال المزدهرة بالأشجار والأطيار الى الأودية حيث الظل الظليل والنسيم العليل - الى ضفاف الأنهار وشواطئ البحار، هناك في فيح الفضاء، بين الماء ورقيق الهواء، هناك يتبع الإنسان بطبيعة الوحي ووحي الطبيعة، هناك حيث يرفرف التواضع والسذاجة والنشاط، وتتجلى البساطة والقناعة - هناك حيث يجد الشعراء والمؤلفون ضالتهم المنشودة، ويجدّدون قوى أجسامهم المفقودة، هناك في ظل الأكواخ الحقيرة حيث لا تبصر العين الا ماء وخضرة وبهاء ونضرة تتجلى روح
لامارتين وملتون وأبي العلاء ولسان الدين بن الخطيب والأعمى التطيلي ذلك الشاعر الذي لما افتتح موشحته المشهورة بقوله:
ضاحكٌ عن جمانٍ سافرٌ عن بدرِ ضاق عنه الزمانُ وحواه صدري
مزّق ابن بقيّ الشهير موشحته وتبعه باقي الشعراء.
فالى الطبيعة حيث تتجلى روح الكتبة والشعراء الذاهبين فتذكي بتجليها شعلة الذكاء والعبقرية في شعرائنا وكتابنا المعاصرين، وتثير همم أرباب الأعمال والحرف والصناعات فيعودون بعد انقضاء فصل الصيف الى مزاولة أعمالهم فرحين نشيطين، وقد جعلوا الحزم رائدهم والعزم منتجعهم.
