تلفتت الفراشة الصغيرة حولها متعجبة مذهولة ساعة خرجت من شرنقتها، ورفرفت بجناحيها الصغيرين فرحة طروبة وتطلعت الى الدنيا الجميلة حولها وقالت في نفسها « ما احيلى دنيا النور المبهجة واعذب اشعة الشمس الدافئة ... ما اسعدني فيها واهناني. ها قد تحررت من سجني الضيق المظلم واصبحت استطيع الانطلاق الى الاجواء الرحبة والطير في فضاء هذا العالم الواسع. لقد زالت الشرنقة التي سجنتني وانفتح باب الحبس الذي كان يمنعني من التمتع بعالم النور ودنيا الضياء ... سأطير بعد قليل الى تلك الزهرة التي لم تتفتح اكمامها، واخبرها بهذه السعادة العظيمة التي اصبحت اتمتع بها الآن في عالم الحرية والجمال. سأقول للبراعم المغلقة وللازهار الهاجعة تفتحي واستيقظي لان نهارك قد طلع ونورك قد بزغ. تعالي ورافقيني ايتها الورود الجميلة لكي نستقبل عالم النور ونعيش في فيض الضياء ».
هذا لسان حال فراشة صغيرة خرجت وتحررت من سجن مظلم وشرنقة منكمشة لتتمتع بحياة سعيدة في احضان الطبيعة الخلابة الساحرة وعالم النور المشرق الفتان. وهذا هو بلا ريب هتاف قلب كل من يعد نفسه من ابناء النور والحياة. وما اعظم الفرق بين من يحيا في عالم مظلم، ويحبس نفسه في شرنقة مغلقة، ومن يسكن في عالم نور مشرق وضياء ساطع. فالعائشون في الظلام محاطون بالهواجس المرعبة
والاوهام الفتاكة، اما السالكون في النور فيسيرون في طرق واضحة المعالم معبدة المسالك، مستنيرين بضوء سماوي ونور علوي. لذلك كان ابناء النور يجتنبون الظلمة ويفرون منها ليحلقوا بخيالهم الى عالم سام ملؤه السناء والضياء.
وتحت فيض من النور تبرق امام النفس لحظات ساحرة تحلق بصاحبها الى سماء الخيال، فينفتح قلبه الى مشاهد الطبيعة الفتانة وتتأثر نفسه بأحساس
الجمال الاسنى، فتراه يُسحر بنبتة تفتحت ازهارها، ويهيم بليلة بان قمرها، ويرق لبسمة طفل بريئة ويفتن بجمال فتاة ساذجة، ووسط جو من الاشراق تنجلي بعض الدقائق الموحية التي تملأ صاحبها بالرؤى والاحلام: فيرى ببصيرته ما لا يراه عامة الناس.
ويمتد بخياله الى ما وراء هذا العالم المحدود. ويتحسس بنفسه المرهفة وشغفه الروحي مواطن الاشراق العلوية
