وتمر الايام وتكبر العمياء ويكبر اولاد الراعي ويذهب كبيرهم جاك لتلقي دروسه اللاهوتية في لوزان ، واذ يعود يوماً لقضاء عطلة الصيف في البيت الوالدي يصرف لمساعدة ابيه في تعليم جرترود وكانت قد قطعت شوطاً بعيداً في درس الموسيقى واخذت ترافق جوقة الكنيسة في الاحاد والاعياد ، وتنتقل العمياء الى بيت سيدة محسنة فتحت لها في بيتها مدرسة صغيرة للعميان واحضرت لها في اول الامر بانستين صغيرتين لتعلمهما القراءة وبعض الاشغال اليدوية
ويسير « الهوى والشباب والامل المنشود » سعياً وراء جمع روحين صافيتين ...
ويسير الراعي يقطع عليهما طريق السعادة فابعد الفتى العاشق قبل انتهاء العطلة المدرسية .
ويسمع طبيب مشهور بجرترود فيتبرع لاجراء عملية جراحية تأكد من نجاحها بعد فحص عينيها فحصاً دقيقاً . وتذهب جرترود الى المستشفى وتعود وقد استعادت بصرها واستعدت عائلة الراعي لاستقبالها فزين لها الاولاد البيت بكل زهور المنحنى ... هذا والراعي ينتظر ...
ووصلت العربة ونزل منها الطبيب وجرترود وزوجة الراعي والاولاد ..
وهنا يحسن بي ان اقل الفصل الاخير عن مذكرات بطل الرواية وقد كتبها في مساء ذلك اليوم . »
... في اية لجة غرقت ! رحمتك ياربي ! انني اكفّ عن حبها ولكن لا تسمح بان تموت . لقد كنت على حق في تخوفي ! ماذا فعلت ، ماذا ارادت ان تفعل ؟ قالت زوجتي وابنتي انها رافقتاها الى بيتها وسلمتاها الى السيدة م ... وبعد هذا جاءت الاخبار وكلها غريبة ومتناقضة - يقول البستاني انه رآها تمشي على ضفة النهر الصغير ثم تقطع الجسر ثم تنحني وتغيب في المياه ويحملها التيار الى قرب السد - ان الطبيب لا يزال هنا وهو لا يعرف كيف يفسر الحادث . لا تزال فاقدة الرشد او انها لا تريد ان تتكلم .
انها تتنفس بجهد شديد والطبيب يخشى الالتهاب الرئوي - عندما انتشلوها من الماء اغفلوا نزع ثيابها وكانت مبللة بالماء المجلد كالصقيع .
وتفسر السيدة م الحادث انها ارادت ان تقطف الازهار النامية بكثرة على الضفة وانها ، وهي غير متعودة بعد على رؤية الاشياء حسبت بساط الزهر النامي قرب الماء ارضاً يابسة فزلت رجلها في الوحل وسقطت ، فسحبها التيار !
آه يا الهي كم اود لو كان قولهم صحيحاً ليزاح هذا الحمل عن ضميري ! كانت ابتسامتها الغريبة اثناء الغداء تشغل بالي وكنت اجهد النفس للاقتناع ان ابتسامتها هذه منسجمة مع نظرتها الجديدة ! ابتسامة كان يخيل الي انها تسيل على وجنتيها مثل الدمع . امام هذه الابتسامة الغريبة كنت آلم لاسفاف مرح الحاضرين ... كان مرحاً لم تشترك به كأنها اكتشفت ، فجأة ، سراً عميقاً .
يا الهي ! رحماك ! اسمح بان تكلمني ! والا فكيف اعيش بعد ؟ هل ارادت الموت لانها علمت شيئاً ؟ وما هو هذا الذي رأته بعد ان ابصرت النور ؟ يا صديقتي ! ما هو الامر الجلل الذي اخفيته عنك واكتشفته بغتة ؟
لقد صرفت ساعتين قرب سريرها ، وعيناي على شعرها وجبينها وخديها الصفراوين واجفانها النحيفة المطبقة على هم بعد عن حد الوصف ، وعلى شعرها المبتل بالماء والملقى على الوسادة . بقيت هكذا اسمع تنفسها المختنق المضطرب .
وجاء في اليوميات بتاريخ اليوم التالي :
دعتني الانسة م اليها هذا الصباح وقالت ان جرترود عادت الى وعيها . عندما دخلت غرفتها ابتسمت لي واشارت الي بالجلوس قرب سريرها . لم اجسر ان اتقدم بسؤال ، ودون ما ريبة كانت
بدورها تخاف ان اسأل فقالت ، اتقاء لكل سؤال :
– ماذا تسمون هذه الزهور الصغيرة الزرقاء اللون الشبيهة بلون السماء والنامية قرب النهر؟ هل تريد ان تأتيني بباقة منها تكون لي هنا قرب سريري ؟
آلمتني دعابتها المصطنعة ، ففهمت وقالت جادة :
– لا اقدر على الكلام الان . اني اهلك تعباً . اذهب واقطف لي الزهور وعد سريعاً .
لم تقو على استقبالي اثناء النهار لشدة تعبها ..
رأيتها هذا المساء وحولها الوسائد وقد اسندتها من كل صوب فكأنها جالسة . كان شعرها مجدولاً ومصفوفاً فوق جبينها وقد حبكت فيه ازهار الربيع الزرقاء التي قطفتها في الصباح
وضعت يدي في يدها اللاهبة من الحمى فظلت ممسكة بها ، ثم قالت :
– عليّ ان اعترف اليك يا راعي ، اخاف ان اموت هذه الليلة . لقد كذبت عليك هذا الصباح لا لم يحدث ما حدث لانني اردت قطف الزهور ! هل تسامحني اذا قلت انني اردت ان اموت ؟
عند هذا سقطت على ركبتي عند سريرها ، ويدها النحيفة في يدي ، فسحبتها وراحت تدلل جبيني فاخفيت رأسي في ملاءات السرير لاخنق نشيجي . فقالت بحنان :
– أتجد في فعلتي شراً كبيراً ؟
ولما لم اجب تابعت تقول :
– انت ترى يا صديقي انني أشغل في حياتك وفي قلبك مكاناً كبيراً ... وقد ظهر لي هذا حالا فور عودتي . او على الاقل بدا لي ان المكان الذي اشغله هو

