الزمان : قبل الحرب الكبرى الاولى
والمكان : بيتي الواقع قبالة القنصلية البريطانية القديمة «اليوم تباريس»
... وبناديني زوجي الدكتور فريد كسّاب ، فأقبل ، فيأخذني من يدي إلى غرفة الاستقبال ، واذا بي وجهاً لوجه امام شاب انيق ، صبوح الوجه . البشرة بيضاء مشربة بلون زهري ، تنبض بالقوة والعافية . قال :
- اعرفك إلى صديقي وأخي رياض الصلح . وجلسا يتحدثان ، وجلست اصغي .. تحدثا عن ايامهما في استانبول وفي باريس وكان زوجي قد درس طب الاسنان في الثانية واوفد إلى الاولى ممثلا عن ارثوذكس فلسطين العرب يوم الخلاف المشهور بينهم وبين البطريركية اليونانية في القدس .
وانقضت الزيارة وذهب رياض ، وعلمت ، والدنيا ـ دنيا الشباب في لبنان وسوريا ـ تتمخض بالنهضة الاستقلالية عن السلطنة العثمانية ، ان الشاب الصبوح الوجه ، الذي حسبته لاول نظرة من ابناء باريس الاقحاح ، هو لولب الحركة الوطنية بين الشبيبة العربية النازلة على ضفاف البوسفور .
★
ومرت الايام وانفصلت اقطار الناطقين بالعربية عن العرش العثماني وسمّي كافلو استقلالنا هنا وفي العراق وفي الشام وفي فلسطين ، وحلّ مكان الجيش التركي جيوش من الشقر والسود والسمر . وما كاد قادة الجيوش يحتلون مراكزهم في العواصم حتى رأوا على مكاتبهم اضبارات المستعمرين الاصيلين في الاسعار ، اولئك الذين ما تجيّش الجيوش وتنظم الحملات الا للدفاع عن دنانيرهم وإلا لحماية دنانيرهم ..
وطبعاً عاد رياض ـ رياض الذي سبق جيله ـ إلى كفاح طويل النفس بعيد المدى .
والتقيته بعد ذلك في الكلية العلمانية ، في الحفلات التي كانت تقام لذلك الافرنسي الحرّ ، صديقنا وصديق الحرية المرحوم ادمون بينار .
ودعي يوما إلى القاء محاضرة ، فتكلم عن اهداف الشباب وعن واجبهم وما ازال اذكر استشهاده بهذا البيت :
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وايقن انّا لاحقان بقيصرا
فقلت له لا تبكِ عينك اننا نحاول ملكاً او نموت فنُعذرا !
★

